No Result
View All Result
لورنس الشعير
في أحد أحياء دمشق العتيقة، حين كانت الأزقة تتنفس من بين حجارة البيوت العتيقة، وكانت النوافذ المزخرفة تُطل على أروقة الحياة ببصيرةٍ لا تخطئ الحكايات، عاش أهل الحارة على ما توارثوه من قيمٍ وتقاليد لا تُمسّ. البيوت كانت متقاربة حتى تكاد جدرانها تتعانق، والنساء يتهامسن من خلف المشربيات، والرجال يتسامرون في المقاهي ودخان الأركيلة يعانق رائحة القهوة المُرّة.
في ذلك الحي كان بيت “آل السوار”، عائلة عُرفت بالحضور والهيبة، ولهم دار واسعة تتوسطها ساحة داخلية تظللها شجرة توت معمرة. في هذا البيت نشأت “سعاد”، فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة، لكنها كانت فاتنة الملامح، ذكية النظرة، تعرف كيف تخفي شعورها تحت وشاح من الوقار الذي لقّنته إياه أمها. وكان في الحارة شاب يُدعى “نجيب”، يعمل في دكان والده قرب سوق البزورية. لم يكن من عائلة كبيرة، لكنه كان مهذباً، حلو اللسان، سريع الخاطر، تدور حوله نظرات الإعجاب من بنات الجيران وإن تسترت تحت الخجل.
تعرفت سعاد على نجيب عبر نظرات مسروقة وكلمات عابرة عند البئر أو في طريق المدرسة القديمة. ومع الأيام صار القلبان يلتقيان خفيةً، كما يلتقي العطر بالريح دون أن يُرى. وحين ضاق عليهما الانتظار، أقنعته بأن يدخل الدار من باب خلفي متصل بمستودع الحبوب الذي يخزن فيه والدها العدس والقمح والمؤونة الموسمية.
في إحدى الليالي الشتوية، حين هدأ صخب الحي وانطفأت الفوانيس، تسلل نجيب إلى الدار كما اتفقا. كانت سعاد تنتظره في زاوية شبه مظلمة قرب باب المستودع، وقد لبست ثوباً بسيطاً كي لا تُثير الريبة إن رآها أحد. همس لها بتحية مرتجفة، فابتسمت له بخجلٍ مطمئن، وجلست إلى جواره تتحدث إليه بلهفة من يسرق الوقت من قيد العيون.
لكن الريح لا تخلو من غدر، فقد عاد أخوها الأكبر فجأة من المضافات، وسمع حفيفاً غريباً في الجهة الخلفية للدار. نادى زوج أخته كي يتفقد المكان، ثم أشار لخادمين أن يلحقا به من الممر الجانبي. التقط الخوف نبض سعاد فارتجفت وانقطع صوتها. همس نجيب: “الهرب الآن خير من الوقوع بالكارثة.” أمسكت بيده، وأسرعا نحو باب المستودع لعل الطريق ما زال آمناً.
كانت الأقدام تقترب والصوت يعلو، ولم يكن أمام الشاب إلا أن يموّه وجوده بحجة ما. لمح على الرف كيساً من العدس، فمد يده سريعاً وانتشل منه حفنة وضمها بكفه، ثم اتجه نحو الباب الخلفي الذي يفضي إلى زقاق صغير. لكن؛ قبل أن يصل، باغته الخادمان وأمسكا به وهو متلعثم لا يدري بماذا يبرر تسلله.
سأله الأخ بحدة: “ماذا تفعل في بيت لا شأن لك به؟”
ارتبك نجيب وتلعثم وهو يمد يده نصف المفتوحة: “دخلت… لأخذ كف عدس، و… وسأرحل الآن.”
تجمدت الكلمات على وجوه من سمعه، بعضهم ضحك في سره، وبعضهم حسبه لصاً بائساً لم يجد ما يسرقه إلا حفنة من الحبوب. أما سعاد فاختبأت خلف أحد الأبواب ترتجف من الفضيحة أكثر من خوفها عليه.
أمسكوا بالشاب وأوقفوه وسط ساحة البيت، وجاؤوا بتاجر من الجيران ليشهد على الموقف، فربما تُرفع شكوى لدى المختار.
كان بعض الرجال يميلون إلى تصديقه ظاهرياً، إما اتقاءً للفضيحة أو رحمة بما رأوه من تواضع حاله. لكن؛ رجلاً من الحاضرين، وكان ذا لسان لاذع وبصيرة لا تَخفى عليها الألاعيب، تمتم ساخطاً: “اللي بيعرف بيعرف، واللي ما بيعرف بيقول كف عدس.”
لم يكن قصده أن يشتم أحداً بعينه، لكنه كان يغمز إلى أن القصة أعمق من ذريعة العدس، وأن تغطية الفضيحة لا تنطلي إلا على من لا يدقق فيما وراء الكلام.
سكت الباقون لحظةً، ثم قرروا أن يتركوا الشاب يخرج من الدار بعد أن أُخذ عليه العهد ألا يعود. وأما سعاد فعوقبت بصمتٍ ثقيل أبقاها خلف الأبواب شهوراً، حتى سُويت الحكاية بالزواج آخر الأمر، درءاً للخزي وحفظاً لهيبة العائلة.
ومع مرور الأعوام، صارت القصة تُروى في المجالس بنبرات مختلفة، كلٌّ يلوّنها بطريقته ويضيف إليها ما يحلو له من تفاصيل. لكن؛ العبارة التي نطق بها الرجل تلك الليلة ظلت الأشهر والأبقى. كلما خرج أحدهم بكلام لا معنى له أو حاول تغطية جهله بذريعة ساذجة قالوا ساخرين: “اللي بيعرف بيعرف، واللي ما بيعرف بيقول كف عدس.”
وهكذا استقر المثل في الذاكرة الشامية لا بصفته طرفة عابرة، بل شاهداً على خفة بعض الحِيَل وثقل الحقيقة حين تتوارى خلف حججٍ واهية.
No Result
View All Result