No Result
View All Result
رامان آزاد
تشهدُ مدينة دمشق تغيّراً اجتماعيّاً صامتاً، بالتوازي مع حركة نزوح داخليّ وإجراءات “ظاهرها قانونيّ” تقوم بها الحكومة الانتقاليّة في سوريا، لكن السكان يرون فيها ملامحَ تغيير ديمغرافيّ غير معلنٍ، وأنّها جزءٌ من إجراءاتٍ تدريجيّة تهدف إلى تحويلِ مدينة دمشق إلى حاضنةٍ اجتماعيّةٍ موالية للحكومة القائمة، وما جرى في حي السومريّة هو نموذج وقضية إثبات الملكيات مجرد ذريعة، فهناك الكثير من أحياء السكن العشوائيّ في ضواحي العاصمة لم تتعرض للاقتحام.
السومريّة مدينة أشباح
نشرت وكالة رويترز الجمعة 12/9/2025 تقريراً رصدت فيه الوضع في حي السومريّة بمدينة دمشق بعد اقتحام قوات الأمن وطلب إخلاء المنازل والأحداث التي شهدها.
ونقلت رويترز عن السكان إنّ العائلات التي لم تتمكن من تقديم وثائق ملكيّة على الفور يُكتب على جدران منازلها حرف “X” بطلاء أسود وتُلصق عليها أوامر إخلاء مطبوعة، وذلك في أكثر الروايات تفصيلاً حتى الآن عن المداهمات والقوات التي تقف وراءها.
ولم ترد وزارتا الإعلام والداخليّة على طلبات للتعليق على إجراءات الإخلاء في السومريّة، وأسباب المداهمات وما إذا كانتِ الحكومة قد أذنت بها. كما لم تعثر رويترز على أيّ سجلٍ سابقٍ للجنة الإسكان المذكورة في الإخطاراتِ. ولم يرد مسؤول وزارة الداخليّة “أبو حذيفة” على اتصالات هاتفيّة من رويترز في 29/8/2025 وكذلك في 2/9/2025 برسالة نصيّة تضمنت سؤالاً عما إذا كان لا يزال في السومريّة بقوله “لا”، ولم يرد على أسئلة أخرى.
وزار صحفيٌّ من رويترز السومريّة الخميس 11/9/2025، وأخبره السكان إنّ “أبو حذيفة” موجود الآن في المبنى الذي تم تحويله إلى مركز أمنيّ. وقال عناصر تابعون له هناك إنّه لا يقبل إجراء المقابلات، وشاهد صحفيو رويترز قوات الأمن تحرس المدخل الرئيسيّ للسومريّة وتمنع الوصول إلى الحي.
فيما لم يتسنَّ لرويترز التحقق من أرقامِ اللجنة بشكلٍ مستقلٍ. وشاهد مراسلٌ زار المنطقة يومي الثالث والحادي عشر من أيلول أنّها أشبه بمدينة أشباح، فلا توجد أنوار في المنازل ولا سيارات على الطرقات، بل عدد قليل فقط من الناس في الشوارع.
ونقل الصحفيّ عن سكان الحي أنّ السومرية كان يضمّ قبل عمليات الإخلاء نحو 22 ألف شخص وخلال أسبوع واحد بقي فقط ثلاثة آلاف شخص في الحي. ولم يتسنَّ لرويترز التأكد مما إذا كان أيّ من السكان قد طُردوا من منازلهم، وقال جميع من أجريت معهم المقابلات إنّ المداهمات بثت شعوراً عاماً بالذعر، ما أدى لفرار معظم العائلات في الأيام التالية، خوفاً من العنف الذي شهدته المناطق الساحليّة هذا العام.
وقال أشخاص أجريت معهم مقابلات إنّ عشرات الرجال تم استجوابهم حول ما إذا كانوا قد خدموا في الجيش خلال حكم الأسد. واحتُجز آخرون في مبنى سكنيّ تم تحويله إلى مركز للشرطة وتعرضوا للضرب هناك على يد مسلحين، وفقاً لأربعة من السكان من بينهم ثلاثة قالوا إنّهم أنفسهم تعرضوا لذلك.
وذكر علي بركات، وهو عضو في لجنة حي السومريّة التي تعمل كمجلس بلديّ وتمثل السكان في الاجتماعات مع الحكومة: “أنا محامي وأسعى للحصول على الدكتوراه، وحتى أنا تعرضت للصفع”، وأضافك “أعيش في منزلي منذ 40 عاماً. اشتراه والدي بدمه وعرقه ودموعه حتى يتمكن من توريثي إياه. لن أتخلى عنه”.
ووصف ميلون كوثاري، الخبير المستقل في حقوق الإنسان والسياسة الاجتماعيّة، وأول مقرر خاص للأمم المتحدة معني بالسكن اللائق، ما حدث في السومريّة الشهر الماضي بأنّه: “سلسلة من الانتهاكات بدءاً من التهجير وصولاً إلى تشتت السكان وتشرد بعضهم”. وقال لرويترز: “عمليات الإخلاء القسريّ انتهاك صارخ لحقوق الإنسان… إذا كانت الحكومة السوريّة الانتقالية جادة في الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، فهي مسؤولة عن انتهاك حقوق هؤلاء الأشخاص، هذا موقف واضح على المستوى الدوليّ”.
اقتحام وإخلاء قسريّ
في الفترة 27 ــ 29 آب الماضي داهم عشرات عناصر الأمن حي السومريّة يقودهم مسؤول من وزارة الداخليّة يُعرف باسم “أبو حذيفة” مدججين بالبنادق وحاملين السيوف ومعهم أوامر الإخلاء، ووضعوا على كلّ منزل علامة إكس بخط كبير لتحديدِ من يمكنه البقاء ومن يجب عليه الرحيل، وتمت مداهمة المنازل واحداً تلو الآخر وطالبوا السكان بإثبات ملكيتهم للمنازل.
وشوهدت الإخطارات التي عُلّقت على عشرات المنازل التي وُصفت بأنّها غير قانونيّة، وطُلب من سكانها مغادرتها خلال 48 ساعة تحت طائلة التعرض للعقاب بموجب القانون. وذكرت الوثائق أنّها صادرة عن “لجنة الإسكان العامة التابعة للأمانة العامة لرئاسة الجمهوريّة”.
المصادر أكّدت إنّ العملية بدأت حين أبلغ “أبو حذيفة” لجنة الحي بأنّ لجنة من المحافظة ستقوم بفحص أوراق الملكيّة، لكن المفاجأة كانت دخول ما يقارب 600 عنصر أمنيّ، بدعوى أوامر صادرة من “القصر الجمهوريّ”، وجرى احتجاز نحو 400 رجلاً وشاباً بينهم طفلٌ لم يتجاوز العاشرة في أحد الأبنية، وتعرضوا جميعاً للضرب المبرح وإهانات ذات طابع طائفي، حتى المختار وأعضاء لجنة الحي لم يسلموا من الإهانة والاعتداء.
المداهمة تضمنت إهانة للسكان وضرباً لبعض الشباب، بالإضافة إلى الشتائم والتوبيخات. كما طُلب من بعض الأشخاص أصحاب الملكيات الخاصة الإخلاء. وترافقت الاقتحامات بنهبٍ منظم للمنازل.
ذكرت صحيفة باريس ماتش إن عشرات العائلات السوريّة أُجبرت تحت فوهات البنادق على مغادرة منازلها في حي السومرية غرب دمشق بعد اقتحام مسلحين للحي، وأشارت صحيفة لوبوان إلى أنّ هذه الحوادث تكشف عن طبيعة النظام الجديد في دمشق، الذي يتسم بالتشدد ويميل إلى النزعة السلفيّة، لافتةً إلى قرارات أخرى مثيرة للجدل مثل حظر التماثيل المجسّدة للجسد الإنسانيّ في كلية الفنون الجميلة. ونقلت وكالة فرانس برس عن سكان قولهم إنّ المسلحين هددوهم بالقتل وأجبروا بعضهم باستخدام “هراوات كهربائيّة” على الخروج.
قالت الأمم المتحدة، السبت 30/8/2025، إنها تتابع بقلق التطورات في حي السومرية بدمشق بما في ذلك التقارير عن تهديدات بالإخلاء. وأضافت أنهم يتابعون “التقارير عن انتهاكات ضد المدنيين الأبرياء، بمن فيهم النساء والأطفال”.
حصار الحي
تقول مواطنة أنّ مجموعة الحي تلقت عبر “واتس آب” السبت 26/8/2025 رسالة من المسؤول الأمنيّ للحي تفيد بأنّ لجنةً ستقوم بفحص ملكيّة المساكن لتحديد من يملك عقاره ومن استولى عليه، دون اتخاذ أيّ إجراءات بالوقت الحالي. وفي اليوم التالي، دخل فصيلٌ مسلح يتبع لوزارة الدفاع، وانتشر عناصره في الحي، ومنعوا الدخول والخروج، وطالبوا الأهالي بالإخلاء، حتى من يملك عقد ملكيّة بمنزله، مع توجيه عبارات توبيخيّة.
لم يكتفِ بعض العناصر بفحص ملكيّة العقارات، يوم الأربعاء، بل اعتقلوا عدداً من الشباب مدنيين أو عسكريين حاصلين على تسوية، ومنهم قاصرون، كما فتشوا الهواتف المحمولة للأهالي، وصادروا بعضها. ومساء اليوم نفسه، أطلق سراح بعض المعتقلين بعد تعرضهم لضرب “مبرح”، شرط إخلاء منازلهم صباح الخميس 28/8/2025.
صباح الخميس، زادت مضايقات الفصيل للأهالي مع إغلاق المحال ومنع التجول، وفُرض إخلاءُ الحي بأكمله، دون أيّ إنذار أو مهلة، ما أدى لهروب شباب الحي، وبقاء النساء في المنازل فقط. وبعد الظهر طُلب من الأهالي التوجه للساحة للقاء المحافظ حسبما أبلغوا، لكن اللقاء اقتصر على العناصر المسلحة فقط، وتم تهديد من بقي، وأقدم مسلحون على ضرب النساء، وخاصةً من يصوّر منهن، وصُودرت الهواتف المحمولة، وهُددت نساءٌ بالدعس. ومساءً عاود المسلحون التهديد بالإخلاء.
وتأتي المداهمات امتداداً لتصعيدٍ بدأ في 7/7/2025، وأُغلقت حينها مداخل السومريّة (جهة الكراج) وأُبلغت نحو 300 عائلة بالمغادرة حتى 1/8/2025 ومنع أصحاب المحال من فتح متاجرهم. وفي ردٍّ على الاقتحام، أعلن “المجلس الإسلاميّ العلويّ في سوريا والمهجر” رفضه “الانتهاكات السافرة” في السومريّة، مطالباً بتحرك دوليّ وملقياً بالمسؤوليّة على الحكومة السوريّة الانتقاليّة.
في 29/8/2025 نقلت يورو نيوز إنّ مصادر خاصة أكّدت أنّ بعض الأهالي أُجبروا على تسجيل مقاطع مصورة يتعهدون فيها بمغادرة منازلهم خلال 72 ساعة.
محاولة احتواء الأزمة
بعد الضجّة التي أثارتها قضية الإخلاء، أكّدت وزارة الداخلية أنّها ليست الجهة التي أصدرت الأوامر، ونفت مسؤوليتها المباشرة عن الحملة. وفي 30/8/2025 قالت وسائل إعلام سوريّة، إنّ عملية إخلاء سكان حي “السومرية” بدمشق توقفت، وسُمح للسكان بالبقاء في منازلهم والعودة إليها، وتم تداول أنّ مختار حي “السومرية” تلقى بلاغاً رسميّاً من وزارتي الدفاع والداخلية، يسمح للسكان بالبقاء في منازلهم وعودة من غادر منها، وظهر مختار حي السومريّة بمقطع مصور شكر خلاله فيه محافظ دمشق وقوات الأمن، محمّلاً مسؤوليّة ما حصل إلى عناصر غير منضبطة قامت بترويع الأهالي، مؤكداً أنّه تم حلّ المشكلة بالكامل.
وأكد المرصد السوريّ لحقوق الإنسان أنّ العائلات مُنعت مؤقتاً من مغادرة حي السومريّة، مع إخراج سيارات نقل محتويات المنازل خارج المنطقة، تمهيداً لدخول الصحافة في إطار ما أسماه بـ”الحملة الإعلاميّة التي تهدف إلى تزييف الحقائق”، بحسب المرصد.
ولكن في اليوم نفسه أكّدت مصادر، إنّ “أبو حذيفة” رفض تعليمات وبلاغات الحكومة الانتقاليّة، مطالباً السكان بإخلاء منازلهم، وشتم الحكومة بكلّ مستوياتها. وأضافت المصادر أنّ العناصر المسلحة رفضوا عودة الأهالي إلى منازلهم وأصروا على مطالبة الأهالي بالإخلاء. وعاد المسلحون إلى الحي بعد خروج الإعلام الأجنبيّ منه وهددوا الأهالي بإخلاء منازلهم خلال 48 ساعة، وإلا سيُطردون منها دون أخذ أغراضهم.
الأربعاء 3/9/2025 وفي تعليقٍ على أحداث حي السومرية أوضح محافظ دمشق، ماهر مروان إدلبي، أنّ ما جرى في الحي نتيجة “تراكم مشاكل الاستملاك الجائر والفساد العقاريّ عبر عقود من حكم النظام السابق”. وأعلن تشكيلَ لجانٍ قانونيّةٍ مشتركةٍ من محافظتي دمشق وريفها للنظر في ملف الاستملاك بحي السومرية، وقال: “هذه اللجان ستستعين بخبرات من أبناء منطقتي المعضمية والسومريّة للمساهمة في إيجاد حلول واقعيّة”.
تغيير ديمغرافيّ صامت
تشهد مدينة دمشق تغيّراً اجتماعيّاً صامتاً، بالتوازي مع حركة نزوح داخلي وإجراءات “ظاهرها قانونيّ” تقوم بها الحكومة الانتقاليّة في سوريا، لكن السكان يرون فيها ملامح تغيير ديمغرافيّ غير معلن. ويُنظر إلى بعض الأحياء السكنيّة العشوائيّة في دمشق على أنّها ملاذات لعوائل قوات النظام سابقاً، ووفقاً لذلك يرى مراقبون أنّ الحكومة الانتقاليّة تقوم بتهيئة البيئة لعمليّة ترحيل واستبدال سكانيّ لتصبح دمشق حاضنة اجتماعيّة لها. كما يُنظر إلى انتقالِ السلطة على أنّه انتقالٌ كاملٌ لإرثِ النظام. وهي فكرة أساسها مناطقيّ وطائفيّ.
أفاد أحد السكان في حديثه مع “الترا سوريا”: “مع دخول هذا الفصيل تغيّرت حياتنا تماماً. فُرض حصار استمر ثلاثة أيام، مُنعنا خلاله من إدخال الخبز والخضار، وترافق ذلك مع أوامر إخلاء فوريّة وتهديدات مباشرة”. وأضاف: “لم يعد الموضوع مسألة تنظيم مخالفات أو تنفيذ قرار رسميّ، بل تحوّل إلى استهداف واضح، إذ كان السؤال الأول عند اقتحام المنازل: أنت علويّ أم سنيّ؟”.
وفيما يهدد آلاف الناس بالانتقال إلى العراء وفقدان المأوى، حذّر المسلحون قاطني حي السومريّة من الذهاب إلى حي المزة 86، لأنهم سيلحقونهم إلى هناك. وأكدت المصادر إنّ هناك خطط ممنهجة لإفراغ دمشق ومحيطها من العلويين، وأن هذه الإجراءات ستشكل خطراً على السلم الأهليّ. وكشفت عن عمليات استيلاء على مساكن في مناطق مثل السومريّة والحرس، ومطالبة السكان بإثبات ملكيتهم بوثائق غالباً لا يُعترف بها.
ومن أبرز ملامح التغيير في دمشق حركة النزوح الداخليّة الواسعة المترافقة مع تغييرات اجتماعيّة وديمغرافيّة في أحياء دمشق. وتشير المصادر إلى أنّ دمشق تشهد عملية نزوح كبيرة وصامتة، وبخاصةٍ في مناطق مثل عش الورور في برزة البلد، وأصبحت اليوم ذات أغلبيّة من أهالي دير الزور وإدلب. واللافت أنّ الوافدين الجدد، يملكون دعماً ماليّاً من المغتربين، لشراء العقارات بكثافة، وأفاد سائقو النقل العام أنّ وجوه الركاب في منطقة المزة تغيّرت وأصبح غالبيتهم من دير الزور وإدلب، وكثيراً منهم حديث العهد في دمشق لا يمكنه التنقل فيها، وتؤكد التقارير وجود كراج خاص في منطقة المرجة يضم عشرات الفانات التي تنقل الركاب من وإلى دير الزور بشكلٍ مستمر.
وتشهد مديريات التربية في دمشق وريفها ازدحاماً ملحوظاً مع اقتراب العام الدراسيّ، إذ توافد أبناء مناطق سوريّة أخرى وبخاصةٍ إدلب بكثافة لنقل أبنائهم إلى مدارس العاصمة. ووفقاً لمصادر تربويّة، يشهد هذا العام نسبة غير مسبوقة من الطلاب المنقولين، مع تعليماتٍ رسميّةٍ بقبولِ جميع الوافدين، حتى لو لم يكونوا من سكانِ المنطقة.
وأصدرت وزارة التربية بالحكومة الانتقالية تعميماً سمح بفتح باب النقل الخارجي للعاملين بين المديريات، بعد إغلاقه لفترة. فيما يُنظر إلى هذا الإجراء على أنّه يهدف إلى تسهيل انتقال العاملين إلى دمشق، وتمّ منح العديد من المسؤولين والعناصر مساكن عسكريّة كانت مخصصة سابقاً لقوات النظام السابق، أو اُستولي على منازل لمقربين من النظام.
وتزامنت أحداث حي السومريّة مع الحديث عن جملة مشاريع استثماريّة كبيرة ستشهدها مدينة دمشق ومنها مشروع مترو بقيمة ملياري دولار وفق إعلان حكوميّ مطلع آب الماضي. ويتضمن مشروع المترو إنشاء مركز تبادليّ رئيسيّ في السومريّة مع مرآب يتسع مئات السيارات.
No Result
View All Result