روناهي/ الشدادي – مع بدايات أيلول، تتحول بيوت مدينة الشدادي جنوب الحسكة إلى ورش صغيرة تفوح منها روائح الباذنجان المسلوق والفليفلة المشوية والبندورة المغلية. هنا تبدأ النساء رحلتهن السنوية مع “المونة الشتوية”، الطقس الذي يشبه الذاكرة، ويحمل بين تفاصيله مزيجاً من الصبر والحنين والاقتصاد المنزلي في مواجهة الغلاء.
رغم الغلاء وضيق الحال، تبقى المونة الشتوية عادة لا غنى عنها في الشدادي. هي حكاية نساء يواجهن قسوة الأسعار بأيدٍ متعبة، يحافظن على طقس اجتماعي يربط الماضي بالحاضر، ويمنح العائلة طمأنينة ودفئاً في مواجهة برد الشتاء.
النساء وذاكرة الطفولة
وفي أحياء الشدادي القديمة، تجلس عبلة العبد الله، وهي امرأة خمسينية، أمام كمية ضخمة من الملوخية، تقطفها ببطء وتقول بابتسامة خفيفة: “هذه العادة تعلمناها من أمهاتنا وجداتنا. لا نشعر بالشتاء إلا حين نرى المرطبانات مصطفة على الرفوف، مليئة بالمربيات والمكدوس والفليفلة، والملوخية والباميا المجففة. صحيح أنّ الأسعار اليوم أثقلت كاهلنا، لكننا لا نستطيع التخلي عن المونة”.
تشرح عبلة كيف أنّ كيلو البندورة وصل هذا العام إلى ٧٠٠٠ ليرة سورية، ما جعل تحضير معجون الطماطم يكلف أضعاف السنوات الماضية. وتضيف: “كنا نشتري عشرين كيلو مرة واحدة ونغليها حتى نصنع صوصاً يكفينا للشتاء، أما اليوم فقد نكتفي بنصف الكمية أو أقل”.
بالقرب منها، تنشغل ابنتها ناديا، التي لم يمض على زواجها عام واحد، بتقطيع الفليفلة الحمراء. تقول وهي تضع القطع على قطعة قماش تحت الشمس: “كلما ساعدت أمي في تحضير المونة، أشعر أنني أتعلم درساً في الصبر. عندما كنا صغاراً، كنا نلعب حول القدور الكبيرة ونسرق حبة باذنجان أو قطعة فليفلة، واليوم صرت أعيش اللحظة نفسها، ولكن زوجة مسؤولة”.
ناديا تؤكد أنّ تكلفة كيلو الفليفلة الحمراء أو الخضراء، وصلت هذا العام إلى ٨٠٠٠ ليرة سورية، وهو مبلغ لا يستهان به لعائلة دخلها الشهري لا يتجاوز مئات آلاف الليرات. ومع ذلك، تصر على تحضير “دبس الفليفلة”، الذي يعد مكوناً أساسياً في المونة السورية.
مائدة عامرة رغم الغلاء
في أزقة الشدادي، تكاد لا تخلو ساحة أو سطح منزل من مشاهد النساء وهن ينشرن أوراق الملوخية على الشراشف البيضاء تحت أشعة الشمس. الملوخية، التي تعد من الأطباق الشتوية المفضلة، ارتفع سعرها بشكل كبير؛ حيث وصل الكيلو المقطوف منها إلى عشرة آلاف ليرة سورية، بينما الكيلو غير المقطوف يبلغ حوالي ثلاثة آلاف ليرة.
تقول عبلة: “نحاول التوفير بشراء الملوخية غير المقطوفة، ثم نخصص يوماً كاملاً نحن والجارات لقطفها يدوياً. صحيح أنّ الأمر مرهق، لكنه أوفر بكثير”.
أما البامية، التي تعد من الأصناف الغالية هذا الموسم، فقد وصل سعر الكيلو إلى عشرة آلاف ليرة سورية، ما جعل الكثير من العائلات يكتفون بكمية قليلة تكفي لإعداد وجبات في الشتاء.
في السوق الشعبي للشدادي، يقف حسن الحميدان، أحد الباعة، جانب سلال كبيرة من العنب الأبيض. يشرح أن سعر الكيلو وصل إلى خمسة آلاف ليرة سورية، ومع ذلك ما زالت النساء يقبلن على شرائه لصناعة مربى العنب أو دبس العنب، الذي يعد بديلاً صحياً للسكر في الشتاء.
“النساء في الشدادي لا يتخلين عن المربيات مهما غلا ثمنها، لأنها جزء من مائدة الفطور الشتوي”، يقول الحميدان.
الخيار، والقثاء، والفلفل الحار، المعدة لصناعة المخللات، وصل سعرها إلى سبعة آلاف ليرة سورية للكيلو الواحد، ما جعل كلفة تحضير المخللات ترتفع أيضاً. ومع ذلك، يبقى المخلل جزءاً أساسياً من سفرة الشتاء، خاصة مع الأكلات الدسمة.
المكدوس.. سيد المونة
لا يمكن الحديث عن المونة السورية دون ذكر المكدوس، الذي يعدُّ “ملك المونة”. كيلو الباذنجان هذا العام بلغ ثلاثة آلاف ليرة سورية، وهو سعر مقبول نسبياً مقارنة بباقي الخضار، لكنه لا يغطي تكاليف الزيت والجوز والفليفلة اللازمة لإعداده.

توضح عبلة: “حتى لو كان مكلفاً، لا بيت يخلو من المكدوس. يكفينا أن تفتح علبة صغيرة صباحاً مع الزيت والخبز، لتشعر أنك امتلكت وليمة”. وتضيف: “المكدوس بنكهته الأصلية يحتاج لأكثر من مليون ليرة لصناعة كمية بسيطة، أما نحن عوائل بسيطة “نساويه على قد الحال”، فقد استغنينا عن زيت الزيتون بالزيت النباتي وعن الجوز بالفستق”.
وتتابع: “صحيح إن النكهة تختلف قليلاً ولكن يبقى اسمو مكدوس، أحسن ما نستغني عنو أبداً”.
المونة.. اقتصاد ومعنى





