No Result
View All Result
هيفيدار خالد
في مدينة الرقة السورية فتحت الشابة العربية أمينة العلي ذات البشرة السمراء والعينينِ السوداوين البراقتين والمفعمتين بالحياة، عينيها على الحياة وترعرعت في ربوعها، درست وتعلمت في مدارس المدينة والتحقت بجامعاتها، عاشت حياتها الاعتيادية إلى أن بدأت موجة الاحتجاجات الشعبية والتي عرفت باسم “الربيع العربي” ليطلق عليها القائد عبدالله أوجلان فيما بعد بربيع الشعوب، وتأثرت مدينتها الرقة كالعديد من المدن السورية بموجة التطورات هذه، خاصة بعد احتلالها من قبل مرتزقة داعش التي أقدمت على نشر الفكر الإرهابي وثقافة الخوف والعنف والتطرف بين سكاني المدينة، حينها اضطرت عائلة أمينة إلى ترك مدينة الرقة ومغادرتها ولم تعد إليها إلى أن حررتها قوات سوريا الديمقراطية من إرهاب المرتزقة.
بعودة العائلة إلى الرقة شاركت أمينة كالعديد من النساء العربيات في ثورة الشعوب التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا، وتأثرت بنضال المرأة الكردية، وقررت أن تكون هي أيضاً جزءاً من هذه الثورة المهيبة التي تقودها المرأة، وعملت بجد ونشاط كبيرين في مجال الإعلام. رغم عملها لفترة قصيرة ضمن السلك الإعلامي إلا أنها استطاعت نقل معاناة أهل مدينتها للعالم بقلمها وكاميرتها المتواضعة ودونتها في صفحات التاريخ.
وذخرت إمكانياتها من أجل فهم ما يجري حولها من تطورات وتحولات في حياتها، لتبدأ حينها رحلتها الحقيقية من أجل البحث عن المعنى والحقيقة والجمال وعن الذات في مواجهة كافة العادات والتقاليد البالية السائدة في مجتمعها، والأفكار التي كان قد فرضها داعش على أهالي الرقة، لتصبح بذلك الفتاة العربية التي رفضت الاستسلام والخنوع لأعداء الإنسانية وأعداء المرأة على وجه الخصوص، وحطمت حواجز الخوف المحاطة من حولها.
التحقت بموكب الحرية الذي كان يبهر الجميع ويلفت أنظار جميع نساء العالم، لتصبح أمينة ابنة الشعب العربي العظيم، باسمها الجديد سارة دلسوز، وقادت مسيرتها الجديدة بروح عالية ومسؤولية كبيرة. كانت في بحث دائم عن كل ما هو جديد لصياغة حياتها وفهم كل شيء يلفت انتباهها، بروحها المرحة وعطائها المستمر لا تبخل على أحد، بل دائماً ما كانت تسعى لتكون القدوة في كل شيء لجميع رفاقها ورفيقاتها، وأثبت ذلك في الكثير من المرات في مسيرتها النضالية.
كانت المرأة الشجاعة والمناضلة الأصيلة دوماً من أجل الحرية، توجهت إلى جبال الحرية والتحقت بالمدرسة الأبوجية الكونية، التي أصبحت بالنسبة لها قبلة الحياة بل وفضاء للحرية، أمينة لم تدرس في الاكاديميات والمعاهد العليا حول العلم والمعرفة وروح المقاومة، لكنها اكتسبت أدواتها ووسائلها الأساسية من الميدان والحياة العملية والموهبة، بذلك حققت لنفسها مكانة معتبرة لا مثيل لها وتركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجماعية للشعوب المتعطشة للحرية، وبصمة لا تُمحى في وجدان رفاقها.
فقدت تمكنت هذه المناضلة العربية الجميلة من الجمع بين النضال والمقاومة والإصرار والعزيمة في جبال الشموخ والحرية، وبين العمل والكلمة طوال مسيرتها النضالية، واليوم، بعد رحيلها، يعود إلى أذهاننا مرة أخرى نضالها وعنفوانها وألقها في كل شيء وبكل ثقلها، بكل جمالها، بكل ما تركته فينا من أثر لا يُنسى، سيظل اسمك ممجداً لا يُمحى، وصوتا يتردد على ألسنة جميع الأحرار حول العالم.
No Result
View All Result