No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ على قطعة قماش بيضاء تمايلت الخيوط الملونة، لتصنع عالماً خاصاً يفيض بالحياة والحب، ويتحوّل إلى لوحات فنية تحمل عبق التراث وأصالة الحرف اليدوية، وفي قلب هذا العالم تجلس أم وطفلتاها يحولن الخيوط والإبر لغة بصرية، تُحكى من خلالها قصص عن الجمال، والصبر، والانتماء.
من الإبرة الأولى إلى عشق التطريز، لم يكن دخول آلاء وإسراء حسين عالم التطريز وليد الصدفة، بل كان امتدادًا لإرث عائلي تحملانه في ذاكرتهما فقد كانا يراقبان والدتهما وهي تطرز للتغلب على مرض السرطان، تقول آلاء: “والدتي هي من علمتني كل غرزة وكل تفاصيل التطريز، فقط كنت أراقبها تعمل وأُدهش من صبرها وأنا أعشق الأعمال اليدوية؛ الأمر الذي دفعني للتجربة”.
بدأت أسراء وشقيقتها رحلتهما قبل عام فقط، لكن ما صنعتاه خلال هذه المدة القصيرة يكشف شغفاً عميقاً وإصراراً على الإبداع، فبخطوات واثقة وبلمسة أنثوية، تدرّبتا على مختلف الغرز ومنها غرزة الساتان، والعقدة الفرنسية، وغرزة الساق، وغيرها، حتى باتت تجيدها بإتقان لافت.
إحياء التراث بخيوط ملونة
آلاء ليست فقط فنانة، بل أيضاً طالبة، تسابق الوقت بين الدروس والمراجع العلمية وبين لوحاتها المطرزة، وتصف هذا التوازن بقولها: “التطريز صار ملجئي، عندما أتعب من الدراسة أو أشعر بالتوتر أمسك الخيط والإبرة، وأدخل عالمي الخاص بعيداً عن ضغوط الحياة. كل غرزة بالنسبة لي مثل نفس عميق”.
في كل لوحة، تختبئ ساعات طويلة من الجهد، وربما أياماً كاملة لإنهاء تصميم واحد، لكن آلاء وإسراء لم تريا في ذلك عناءً، بل وجدتا فيه متعة تشبه رحلة تأملية، تمنحهما راحة نفسية وتحرّرهما من ضغوط الحياة اليومية.
ما يميز أعمال آلاء وإسراء ليس فقط الدقة والجمال، بل روح التراث التي تتسلل في كل تفصيل من تفاصيلها، فهما تميلان إلى اختيار التصاميم المستوحاة من الطبيعة والرموز الشعبية التي تحمل في طياتها أصالة الماضي.
توضح إسراء: “أحب أن أعمل على اللوحات التراثية، لأن التطريز جزء من هويتنا، وكل غرزة تروي قصة، وكل لون له معنى”.
من الورود البديعة إلى الرموز التقليدية التي كنت تراها في منازل الجدات، تحرص على أن تكون لوحاتهما مرآة لذاكرة المكان، لتعيدا للأذهان صور الجدات اللواتي كنّ يطرزن بحب، ويحوّلن القماش لوحة مفعمة بالحياة.
فطريق الفن ليس مفروشاً بالورود، وهما يعرفان ذلك جيداً، ومن أبرز التحديات التي تواجههما ضيق الوقت بسبب دراستهما، إضافة إلى التكلفة العالية لأدوات التطريز من خيوط وأقمشة ذات جودة عالية، ومع ذلك، لم تتوقفا يوماً عن ممارسة هوايتهما، بل وجدتا في كل تحدٍ دافعاً لمواصلة رحلتهما.
تقول إسراء: “في كثير من الأحيان أشعر بالتعب ولكني لا أتوقف فعندما أنهي اللوحة أشعر بالفخر، وأنها استحقت كل لحظة تعب قمت بها، والجهد الذي بذلته من أجلها”.
وتواجه هذه الحرفة العديد من الصعوبات ومنها تأمين الأدوات اللازمة فألوان الخيوط غير متوفرة، والقماش الذي ينقشن عليه الرسومات غير موجود في سوريا، وهذا ما يشكل عباً عليهما.
أحلام كبيرة تنسجها خيوط صغيرة
ولكن لا تتوقف طموحات الفتاتين عند حدود الهواية، فهما يحلمان بالمشاركة في المعرض الذي من المقرر أن تقوم به والدتهما في ذكرى يوم عمليتها في 22 من شهر تشرين الأول المقبل، ويسعيان إلى إطلاق مشروع خاص يحمل اسمها، يجمع بين الأصالة والحداثة في عالم التطريز، كما تطمحان إلى تعليم هذا الفن للفتيات، ليبقى حياً في زمن يركض نحو التكنولوجيا وينسى جمال الحرف اليدوية.
وتختم أسراء حديثها بكلمات مليئة بالحب: “إن التطريز علمني الصبر وكيف أصنع من خيط بسيط وقطعة قماش بالية تحفة فنية، ومع الأيام تحول الخيط والإبرة من أدوات إلى جزء من حياتي لننسج معاً لوحة حياتي”.
في كل لوحة من لوحات الفتاتين، ثمة رسالة تقول: إن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة تمنح الروح معنى، وتذكّرنا بأن الجمال يمكن أن يُخلق من أبسط الأشياء، إذا ما لامستها أيادٍ هاوية.
No Result
View All Result