No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ يجلس عبد الرحمن العلي على قارعة أحد الطرق في الطبقة، يغمس يديه في الزفتة السوداء اللزجة، يفرك كل دلة بصبر شديد، بينما تفوح رائحة الزفتة الممزوجة بالنحاس القديم في الهواء، يتحدى حرارة الشمس والرياح والغبار، محافظاً على التراث العربي، محاولاً إعادة قيم الضيافة إلى كل بيت وفنجان.
يمسك عبد الرحمن العلي (55 عامًا)، كل دلة بين يديه، يشعر بملمس النحاس البارد والخشن تحت أصابعه، يسمع صوت الاحتكاك الخفيف، الذي يصدر عن الليفة والزفتة، وكأنه يعيد إيقاع حياة قديمة إلى المعدن.
ويبيع العلي بعض الدلال بين 250 ألف ومليون ليرة سورية، لكنه أكد، أن الهدف الأساسي ليس الربح، بل الحفاظ على التراث وإعادة الروح لثقافة القهوة العربية، رغم الحرارة الشديدة وغبار الطريق وارتفاع أسعار المواد، يواصل العمل، لأن كل دلة يلمعها تحمل جزءًا من ذاكرة المجتمع، وجسرًا بين الماضي والحاضر.
وفي كل صباح، يتنفس الهواء الممزوج برائحة الزفتة والدخان الخفيف من مقهى قريب، ويبدأ يومه بالفرشاة والليفة، كأنه يحرك التاريخ بين يديه، حركة يديه الدقيقة وصبره على التفاصيل الصغيرة تجعل كل دلة تلمع كمرآة معدنية تعكس الماضي.
الدلة.. رمز الهوية العربية
وتعود الدلة العربية إلى قرون مضت، وهي وعاء معدني يستخدم لإعداد القهوة العربية وتقديمها في المجالس، تصدر الدلال القديمة رنينًا معدنيًا ناعمًا عند الصب، ويضيف تصميمها الأنيق طابعًا احتفاليًا على أي مجلس، كما تحافظ على حرارة القهوة لفترة أطول.
وكانت الدلة جزءًا أساسيًا من الضيافة في كل بيت عربي، وهي ترمز للكرم والتواصل العائلي والمجتمعي، وتُظهر احترام الضيف ودفء الترحيب، ومع مرور الوقت، حلّت الأواني الحديثة محلها، وأصبح الحفاظ على هذه الحرفة التراثية تحديًا حقيقيًا، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار المواد اللازمة لتنظيف الدلال.
وعن ذلك تحدث العلي خلال لقاءٍ مع صحيفتنا “روناهي”: ” الدلة ليست وعاء معدنياً، بل رمزاً للكرم والضيافة التي تميز مجتمعنا بها، وكل ما أعيد تصميم هذه الدلة أحيي قيمنا وهويتنا التراثية”.
تاريخ وذكريات
وروى العلي عن زبون جاء بدلة قديمة تعود لجده، كانت الدلة له وصية حية من الماضي، وبعد تنظيفها بعناية بدأت تلمع تحت يده كأنها تنبض بالذاكرة والهوية، وتروي قصص الأجيال التي مرت عليها.
فكل دلة تصبح أرشيفًا حيًا للذكريات، ويتحول النحاس الباهت تحت أصابعه إلى سطح يلمع كالمرآة، يعكس الماضي والحاضر في آن واحد، فترى يد عبد الرحمن تتحرك برشاقة، والرياح تحرك الغبار حوله، بينما هو مستغرق في عمله.
التحديات والعمل اليومي
ورغم عشق مهنته، يواجه العلي صعوبات يومية، تضر بيديه من الزفتة والليفة، ويختلط صوت احتكاك النحاس مع صرير الرياح والغبار، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد اللازمة لتنظيف الدلال ما يضع ضغطًا إضافيًا على عمله، بالإضافة إلى قلة الاهتمام بالتراث بين الجيل الجديد، ما يجعل المهنة تتراجع يومًا بعد يوم.
ومع ذلك، يستمر العلي في مكانه، مؤمنًا بأن كل دلة يلمعها تحافظ على ذاكرة المجتمع وتروي قصصه، وتعيد الحياة للتراث العربي في كل فنجان قهوة، ويضع كل دلة على بسطته الصغيرة وكأنها قطعة من قلبه وروحه.
وهكذا تتحوّل الدلال بين يدي العلي إلى أكثر من وعاء معدني، بل مرآة للهوية وجسر بين الأجيال، في كل لمعة يعيدها للنحاس باستخدام الزفتة، تتفجر رائحة الماضي مع كل حركة لليفة، وتلمع اللمسات الدقيقة كأنها تروي حكاية قديمة.
وفي ختام حديثه، أثبت عبد الرحمن العلي، أن الحفاظ على قيم الضيافة العربية يظل ممكنًا رغم كل الصعوبات، وأن كل فنجان قهوة من الدلة يحمل عبق التاريخ وروح المجتمع الحية.
No Result
View All Result