No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل ـ تعاني مناطق إقليم شمال وشرق سوريا بشكلٍ عام ومدينة الحسكة بشكلٍ خاص من تدهور متسارع في الأراضي الزراعية نتيجة انخفاض هطول الأمطار وجفاف أنهار الفرات والخابور، هذا التصحر يفاقم معاناة المزارعين ويهدد الأمن الغذائي في ظل أزمة اقتصادية مستمرة، وتأتي هذه الأزمة لتؤكد أهمية تبنّي سياسات مستدامة لإدارة الموارد المائية، وحماية مصادر المياه.
برز التصحر كأحد أخطر التحديات البيئية والاجتماعية -الاقتصادية التي تواجه سوريا، لا سيما في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا وخاصةً مدينة الحسكة، فهذه المناطق التي كانت تُعرف سابقاً بـ “سلة خبز سوريا”، تشهد اليوم تدهوراً غير مسبوق في أراضيها الزراعية، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي وسبل العيش واستقرار المجتمع.
يهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل شامل ومعمق لأسباب التصحر في شمال وشرق سوريا والحسكة بشكلٍ خاص، بالاعتماد على أحدث المصادر وأكثرها موثوقية حتى آب 2025. ويركز التحليل على العوامل المناخية والهيدرولوجية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مدعوماً ببيانات كمية وآراء خبراء.
العوامل المناخية.. الجفاف وتغير أنماط الهطول المطري
يُعد الانخفاض الحاد في كميات الأمطار خلال العقد الماضي العامل الأساسي وراء التصحر في مناطق شمال وشرق سوريا، فقد سجلت المنطقة تراجعاً كبيراً في معدلات الهطول، حيث جاءت بعض السنوات بأمطار أقل بكثير من المعدل التاريخي، أدى هذا الانخفاض إلى موجات جفاف طويلة الأمد أثرت سلباً على رطوبة التربة والإنتاجية الزراعية.
وتراجعت معدلات الهطول المطرية في شمال وشرق سوريا منذ العام 2011 حتى العام 2025 بشكل كبير جداً وصل إلى ما دون النصف من المعدل السنوي المعتاد، حيث سجلت الهطولات المطرية عام 2011 قرابة الـ 320 مم، وهي تعتبر النسبة الاعتيادية لمعدلات الهطول السنوية، فيما سجلت الهطولات المطرية في العام 2018 أقل من 220 مم، بنسبة تراجع وصلت إلى 31 بالمئة عن معدل هطول الأمطار السنوي.
أما في العام 2022 فقد سجلت الهطولات المطرية تراجع آخر بواقع 180 ملم فقط، بنسبة تراجع وصلت إلى 44 بالمئة عن المعدل السنوي، أما في العام 2025 فقد اعتبر الأقسى على مستوى الجفاف، حيث لم يتجاوز معدل الهطول خلال هذا العام الـ 150 ملم بمعدل تراجع وصل إلى أكثر من 53 بالمئة عن المعدل السنوي.
التأثير على الدورات الزراعية
أدى الهطول غير المنتظم إلى تعطيل الدورات الزراعية التقليدية، خاصةً بالنسبة للمحاصيل الأساسية مثل القمح والشعير. ففي عام 2022، انخفض متوسط إنتاج القمح في الحسكة إلى أقل من 150 كغ للدونم، مقارنة بـ 450 كغ قبل عام 2011، ويعود هذا التراجع ليس فقط لقلة الأمطار، بل أيضاً لقصر موسم الهطول وعدم انتظامه، مما صعّب على المزارعين التخطيط لمواعيد الزراعة والحصاد.

ولم يكن انخفاض معدلات الهطولات المطرية هو العامل الوحيد بل أدى تراجع تدفقات الأنهار الكبرى مثل الفرات والخابور والبليخ إلى كارثة مائية في المنطقة، فقد انخفضت تدفقات الفرات – الذي يمد سوريا بأكثر من ثلثي احتياجاتها المائية ويغذي أكبر سدودها الكهرومائية – إلى أقل من 50% من مستواه الطبيعي بسبب احتجاز المياه من الجانب التركي. أما نهر الخابور، الذي كان مصدراً دائماً للري، فقد جف بنسبة تقارب 95% في السنوات الأخيرة.
ومن جهة أخرى، وفي ظل النقص الكبير في المياه السطحية، اتجه المزارعون إلى استخراج المياه الجوفية بشكلٍ مفرط، أدى ذلك إلى جفاف العديد من الآبار أو زيادة ملوحتها، ما قلل من إمكانية استخدامها في الري أو الشرب. ويُعد استنزاف الطبقات الجوفية أحد أهم العوامل المؤدية للتصحر غير القابل للعكس، حيث يسبب تملح التربة وفقدان الأراضي الزراعية.
تراجع السياسات الزراعية والإدارة غير الفعّالة
شهدت المنطقة انهياراً كبيراً في المؤسسات المسؤولة عن إدارة الموارد الزراعية والمائية، فقد تراجعت خدمات الإرشاد الزراعي، وضعفت الرقابة على حفر الآبار، وتوقفت العديد من مشاريع الري الخدمية بسبب غياب التمويل والصيانة، هذا الانهيار الإداري ساهم في الاعتماد المفرط على أساليب زراعية تقليدية غير مستدامة مثل الري بالغمر، مما زاد من استنزاف الموارد المائية.
العوامل الاقتصادية.. الفقر والعقوبات وانهيار البنية التحتية
يعاني سكان شمال وشرق سوريا من معدلات فقر مرتفعة نتيجة الحرب والعقوبات الاقتصادية. هذا الفقر دفع الكثير من المزارعين إلى الاعتماد على زراعة أحادية مثل القمح أو القطن، دون اتباع دورات زراعية أو استخدام أسمدة عضوية، مما أضعف خصوبة التربة وسرّع من عمليات التصحر.
كما ساهمت العقوبات المفروضة على سوريا منذ عام 2011 على تدهور القطاع الزراعي. فقد تراجعت القدرة على استيراد الأسمدة، المبيدات، والمعدات الزراعية الحديثة. كما تعطلت شبكات الري الخدمية في سدود الفرات والحسكة وتدمر بسبب نقص قطع الغيار والتمويل، ما أدى إلى اعتماد أكبر على الزراعة المطرية التي باتت غير مضمونة بسبب تغير المناخ.
النزوح والتوسع العمراني
أدت الأزمة السورية المستمرة منذ عام 2011 إلى نزوح وتهجير ملايين السكان، خاصةً من المناطق الريفية في شمال وشرق سوريا. ومع تدفق النازحين إلى المدن الكبرى مثل الحسكة وقامشلو، ازدادت الضغوط على الموارد الطبيعية. توسّع المدن على حساب الأراضي الزراعية؛ أدى إلى تقلص المساحات القابلة للزراعة، كما زادت أنشطة البناء والاستهلاك غير المنظم للموارد الطبيعية من معدلات تدهور التربة.
مشاريع قديمة لمواجهة التصحر
خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، طرحت الحكومة السورية السابقة مشروعاً طموحاً يهدف إلى إنشاء “حزام أخضر” يمتد من مدينة الحسكة مروراً بدير الزور والرقة وصولاً إلى تدمر. كان الهدف من المشروع مكافحة التصحر، الحد من زحف الكثبان الرملية، وحماية الأراضي الزراعية.
بدأت المرحلة الأولى بزراعة أحزمة من أشجار الكينا والسرو في محيط مدينة الحسكة، كما تم إنشاء مشاتل لإنتاج الشتلات وتوزيعها على المزارعين، لكن المشروع توقف تدريجياً مع بداية الألفية بسبب الفساد الإداري، ضعف التمويل، وعدم وجود متابعة علمية ودورية للأراضي المزروعة.
أسباب فشل المشروع
الاعتماد على أشجار غير ملائمة للظروف المناخية مثل الكينا، التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، بالإضافة إلى غياب نظام للري التكميلي والصيانة الدورية، والفساد وإهدار الموارد المالية، وتوقف الدعم الحكومي بعد عام 2000 وغياب التمويل الدولي لاحقاً.
الخطوات المطلوبة لمواجهة التصحر
لمواجهة خطر التصحر الذي باتت تتأثر به المنطقة بشكل كبير جداً، يجب على البلدية فرض سياسات مستدامة لإدارة الموارد المائية، وفرض رقابة صارمة على حفر الآبار العشوائية، وتطوير شبكات ري حديثة تعتمد على التنقيط والرش لتقليل هدر المياه، فضلاً عن إيجاد حلول للتعاون الإقليمي مع تركيا والعراق لضمان تقاسم عادل لمياه الفرات ودجلة وروافدهما مثل البليخ والخابور وجقجق.
كما يجب على الجهات المعنية إعادة تصميم الحزام الأخضر باستخدام أشجار محلية مقاومة للجفاف مثل “البلوط، الفستق الحلبي، الطلح”، وإشراك المجتمعات المحلية في التشجير عبر مبادرات تعاونية.
تُظهر حالة إقليم شمال وشرق سوريا وخاصة مدينة الحسكة أن التصحر ليس ظاهرة بيئية فقط، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عوامل طبيعية (الجفاف وتغير المناخ) وعوامل بشرية (النزاع، الفقر، وسوء الإدارة سابقاً). إن غياب الحلول الجذرية سيؤدي إلى فقدان مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية خلال السنوات المقبلة، ما يهدد الأمن الغذائي السوري بشكلٍ خطير.
الحل يتطلب استراتيجية متكاملة تشمل إدارة رشيدة للموارد المائية، إعادة تفعيل مشاريع التشجير، دعم الزراعة المستدامة، والتعاون الإقليمي والدولي، فالتصحر في الحسكة والرقة ليس قضية محلية فحسب، بل تحدٍ عالمي يرتبط مباشرةً بمستقبل الأمن الغذائي والبيئي في المنطقة.
والجدير بالذكر، فقد بدأ الأسبوع العالمي للمياه في ستوكهولم في الأصل، وذلك بعقد ندوة مياه ستوكهولم في عام 1991 وعقدت سنوياً منذ ذلك الحين، وفي عام 2001، أخذت رسمياً اسم الأسبوع العالمي للمياه، وهو منبر دولي يقام سنوياً للحوار حول قضايا المياه في العالم.
No Result
View All Result