No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل ـ في ظهيرة يوم حار من أيام آب، كان “أحمد الحسن”، أحد سكان قرية البجدلي بريف مدينة الشدادي جنوب الحسكة، يجلس مع عائلته في فناء منزله الطيني محاولاً الاستفادة من نسمة هواء عابرة، لم تمض دقائق حتى صرخ طفله الصغير فجأة، إذ شعر بألم حاد في قدمه، وعند تفقد الأمر، اكتشفوا وجود عقرب صغير أسود اللون كان قد تسلل من بين الحجارة القريبة.
هذه الحادثة لم تكن الأولى، فقد باتت مشاهد كهذه تتكرر في بيوت وأزقة المدينة مع ارتفاع درجات الحرارة، حتى غدت لدغات العقارب واحدة من الهواجس اليومية التي تؤرق الأهالي.
وجع يتكرر كل أسبوع
وفي لقاء لصحيفتنا “روناهي” مع “محمود المعيوف“، إداري مستوصف الشدادي، قال وهو يتصفح السجلات الطبية: “كل أسبوع تقريباً نستقبل بين ثلاث إلى خمس حالات لدغ عقرب، وفي الشهر قد يصل العدد إلى ثلاثين حالة، خصوصاً في أيام الطقس السديمي والمغبر، حيث يزداد نشاط العقارب”.
ورغم أن أغلب الحالات تجد علاجها داخل المستوصف، إلا أن ضغط الأعداد أدى مؤخراً إلى نفاد كميات المصل المضاد، حيث أوضح المعيوف: “واجهنا أزمة بسبب نفاد الأمصال، لكننا نسقنا مع الجهات المعنية، ومن المقرر وصول دفعة جديدة الأسبوع المقبل حتى لا نترك أي مريض دون علاج”.
سباق مع الزمن
ولا يخلو المشهد في قسم الإسعاف من القلق، سيارة إسعاف متأهبة دائماً أمام الباب، فهناك مرضى قد تتطور إصاباتهم بسرعة، خاصةً الأطفال وكبار السن، والصيدلاني “يوسف معو” من منظمة الهلال الأحمر الكردي بين تفاصيل عملهم: “نحن نحرص على أن تكون الأدوية متوفرة في مراكزنا، لدينا مضادات الحساسية مثل ديكساميتازون وأدرينالين، وهي أدوية قادرة على منع تفاقم الحالة حتى يصل المصل المناسب، الأدوية متاحة 24 ساعة بفضل نظام المناوبات”.
وأضاف معو بابتسامة متعبة: “أحياناً تكون سرعة استجابتنا هي الفارق بين ألم بسيط وحالة خطرة”.
العقارب.. ضيوف غير مرغوب فيهم
والعقارب ليست غريبة عن بيئة الجزيرة السورية، فهي تعيش منذ عقود في المزارع والمنازل الطينية والمناطق الصحراوية المحيطة، لكن ارتفاع درجات الحرارة يدفعها للخروج بحثاً عن أماكن أكثر برودة ورطوبة، وغالباً ما تكون بيوت الناس هي الخيار الأقرب.
ويربط خبراء الصحة البيئية انتشار العقارب هذا الصيف بشكل خاص بالتغيرات المناخية وازدياد موجات الحر، حيث وصلت درجات الحرارة إلى عتبة الخمسين درجة مئوية. ويشيرون إلى أن هذا النمط قد يتكرر بشكل أكبر في الأعوام المقبلة، ما لم يتم اتخاذ إجراءات وقائية أكثر صرامة.
تجربة الأهالي مع الخطر
مريم السلطان، امرأة في الأربعين من عمرها، روت قصتها بقلق: “منذ أسبوعين لدغ العقرب ابني الصغير أثناء نومه، ولم أكن أعرف ماذا أفعل، هرعت به إلى المستوصف في منتصف الليل، وهناك أعطوه العلاج. لو تأخرنا دقائق لربما حصل ما لا يُحمد عقباه”.
وأضافت: “منذ تلك الليلة، لا أنام إلا بعد أن أتأكد من إغلاق الفتحات في البيت وأفحص الفراش جيداً”.
بين الوقاية والعلاج
ويؤكد الأطباء، أن لدغة العقرب ليست قاتلة في معظم الحالات، لكنها قد تتحول إلى خطيرة إذا لم يُتخذ الإجراء السريع، الأعراض تبدأ بآلام حادة في مكان اللدغ، وقد تتطور إلى صعوبة في التنفس وتسارع في ضربات القلب. وهنا يصبح التدخل الطبي الفوري أمراً مصيرياً.
ولهذا السبب، يوصي المستوصف الأهالي باتباع إجراءات وقائية بسيطة لكنها فعّالة، كـ “ارتداء الأحذية دائماً، تفقد الملابس قبل ارتدائها، سد الشقوق والجحور في المنازل، وعدم ترك الأطفال يلهون حفاة في الساحات أو الحقول”.
مسؤولية جماعية
ورغم الجهود المبذولة من المستوصف والهلال الأحمر الكردي، يرى الكثيرون أن الأمر يحتاج إلى تعاون أكبر من المجتمع، فالمعركة ضد العقارب لا تقتصر على المستوصفات، بل تبدأ من وعي السكان أنفسهم بخطورة الوضع.
وفي الختام، قال الإداري في مستوصف الشدادي “محمود المعيوف”: “كل لدغة يتم إنقاذ صاحبها بسرعة هي قصة حياة نجحنا في حمايتها. لكننا نحتاج إلى وعي الناس أكثر من أي شيء آخر، فهم خط الدفاع الأول ضد هذا الخطر”.
ما وراء الأرقام
وفي النهاية، تبقى الأرقام مجرد انعكاس لمعاناة يومية يعيشها سكان الشدادي مع حرارة الصيف القاسية. فكل رقم في السجلات الطبية يعني وجهاً متألماً وأُسرة قلقة، وكل دفعة جديدة من الأمصال تعني فرصة إضافية للنجاة.
وبين جدران المنازل الطينية وفي الحقول الممتدة، يترقب الأهالي بقلوب خائفة قدوم الليل، حيث تنشط العقارب أكثر. ورغم التعب والحرارة، يواصل السكان صراعهم الصامت مع هذه الكائنات الصغيرة، آملين أن يحمل الأسبوع المقبل معهم ليس فقط دفعة جديدة من المصل، بل أيضاً قدراً أكبر من الأمان.
No Result
View All Result