هيفيدار خالد
سؤال جريء يطرح نفسه في هذه الأيام: ماذا يجري في سوريا؟
في الجنوب، وتحديداً في السويداء، يطالب السكان بحق تقرير المصير والاستقلال عن الدولة السورية، وذلك في مظاهرة كبيرة شهدتها المدينة لأول مرة بعد الأحداث الدامية التي وقعت هناك.
في المقابل، يبرز ملف آخر لا يقل خطورة، وهو قضية المسلحين الأجانب المنضوين تحت مظلة ما تُسمّى وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية، والذين يطالبون بمنحهم الجنسية السورية ليستطيعوا الاستقرار وتملّك الأراضي والسفر بحرية. هؤلاء ينحدرون من جنسيات مختلفة؛ عربية وآسيوية وأوروبية، في خطوةٍ تُثير قلق المجتمع السوري والمجتمع الدولي، لما قد تحمله من تبعات أمنية وسياسية خطيرة.
أما الساحل السوري، فقد تحوّل في الأسابيع الأخيرة إلى مسرح لحرائق ضخمة التهمت الغابات والقرى، ترافقها عمليات تهجير قسري ممنهجة للسكان الأصليين على يد السلطة الحالية في دمشق، وسط صمت دولي مريب، هذه التطورات تزيد من شعور السوريين بالخذلان، وتعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع المحلي، ولا سيما أن المنطقة العلوية نفسها تعيش تحت ضغوط هائلة بعد المجازر التي ارتُكبت بحقها سابقاً وما لحقها مؤخراً من كوارث بيئية واقتصادية.
وفي شمال وشرق البلاد، حيث الإدارة الذاتية الديمقراطية، لم تُثمر المفاوضات المتكررة مع الحكومة الانتقالية عن أي حلول ملموسة للأزمة المستمرة منذ سنوات. ما يزيد المشهد تعقيداً هو تمسّك الإدارة بمطلب صياغة دستور ديمقراطي جديد يُكرّس اللامركزية، ويضمن مشاركة سياسية فعلية لجميع الشعوب، ويراعي الخصوصيات الثقافية والدينية، ويعزز العدالة الاجتماعية وحرية المعتقد.
في المقابل، تستمر السلطة الحالية في دمشق بانتهاج سياسة طائفية وعنصرية تقوم على لونٍ وعرقٍ واحد، مستهدفةً بذلك التنوع الثقافي والاجتماعي الذي ميّز سوريا لعقودٍ طويلة. كما أنها تتلقى دعماً مباشراً من الدولة التركية، التي رسّخت وجودها عبر اتفاق عسكري جديد، يُسهم في إطالة أمد بقاء الشرع في السلطة، دون أي اكتراث لمعاناة السوريين.
إن استمرار هذه التطورات السياسية والميدانية بهذا الشكل يُنذر بانعكاسات خطيرة على مستقبل البلاد والمنطقة بأكملها، ومن الضروري أن تتصرف السلطة بعقلانية لتتمكن من مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، وأن تعمل على نبذ التوترات الطائفية، وإلا فإن سوريا ستنزلق إلى مزيد من الفوضى والتعقيد، وقد يخرج الوضع عن السيطرة في ظل الأحداث المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، ويبقى على الحكومة أن تُصغي إلى مطالب السوريين المشروعة قبل فوات الأوان.