No Result
View All Result
حمزة حرب
الحماية لا تُفوض، الحماية لا تُستورد، بل الحماية تنبع من جوهر الكائن الإنسانيّ الحر، من هنا؛ فإنّ التاريخ لا ينسى لحظاته الفارقة، فقبل اندلاع الثورة السوريّة كانت مناطق شمال وشرق سوريا تعاني التهميش والاقصاء والنظرة الدونيّة التي ينظر بها النظام السابق لهم، وكان يطلق عليهم مصطلح المناطق النامية أو النائية ويعاملون مواطنين درجة ثانية أو ثالثة، وقسمٌ كبيرٌ منهم لم يكن يعتبرهم مواطنين أصلاً حتى جاء عام 2011 كمفصلٍ تاريخيّ ونقطة تحولٍ فارقة أحدثت خللاً أمنيّاً وعسكريّاً في عموم سوريا وركّز النظام على مناطق الداخل وترك شمال وشرق البلاد شأناً ثانوياً بالنسبة له.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة السوريّة سقط النظام فعليّاً لدى شعوب شمال وشرق سوريا وطفا على السطح مفهوم الحماية الذاتيّة كمعيارٍ فلسفيٍ عمليّ يحمي شمال وشرق سوريا بسواعد أبنائه خصوصاً مع تعدد الرايات والبنادق، فرأت شعوب المنطقة أنَّ الخلاص هو في الحماية، ولكن ليست الحماية الأمنيّة أو العسكريّة التقليديّة وإنما “الحماية الجوهريّة”، والتي تتجاوز في مفهومها العميق حملَ السلاح، ويُعنى به حماية القيم والكرامة والتعدد والمجتمع نفسه.
بدايات التشكيل
كانت البداية صيف 2012، من المدن الثلاث عامودا، ديريك، كوباني، حين تركت هذه المدن تواجه فراغاً أمنيّاً قاتلاً في توقيت حرجٍ، برزت فيه حالة من الارتباك، لتتشكل أولى خلايا الحماية الجوهريّة في الأحياء، لا لتعتقل أو تفرض سلطة، بل لتمنع الفوضى وتحمي المدارس وتنظّم المرور وتطرد الغرباء المشبوهين.
تبلور مفهوم “الحماية الذاتيّة” كردّ على غيابِ الدولةِ المركزيّة وتفكك المؤسسات الأمنيّة منذ عام 2012، وكان ذلك نواة ثورة الـ 19 من تموز خاصة في المناطق ذات الغالبيّة الكرديّة لتصل الى المناطق المختلطة والمتعايشة من كردٍ وعربٍ وسريان فمع انسحاب النظام السوريّ تدريجيّاً من هذه المناطق، لم يكن أمام السكان سوى تنظيم أنفسهم لحماية مدنهم وقراهم، وصد هجمات المجموعات المسلحة وعلى رأسها مرتزقة “داعش” وحماية الشعب من النظام نفسه الذي كان يعتقل ويمارس سلطة جائرة في البؤر التي كان يتواجد ويتحصن فيها. وأحد أبرز ملامح هذا النموذج هو مشاركة المجتمع في الأمن، حيث أنَّ حماية الحي أو القرية لا توكل فقط إلى قوةٍ أمنيّةٍ، بل تشارك فيها المجالس المحليّة الكومينات، ولجان الدفاع الذاتيّ عن النفس وهو نمط تنظيم يعكس فلسفة “الديمقراطيّة التشاركية” التي يتبناها مشروع الأمة الديمقراطيّة المستلهم من فكر القائد عبد الله أوجلان. تسارعت الخطوات الى إنشاء لجأن الحماية في الأحياء، وتدريب الأهالي رجالاً ونساءً على الاستجابة للأزمات دون مركزيّة هنا تم إدخال مبدأ الحماية الجوهريّة إلى بنية المجتمع مستندة الى نضال أبناء المناطق وحماية نفسهم بنفسهم، بما يعكس فسيفساءها العرقيّة والدينيّة المنضوية في هذا الإطار.
أثبتت الحماية الذاتيّة لنفسها موقعاً في وجدان شعوب المنطقة وأكّدت أنّ حمايتهم لأنفسهم ليست فقط ضرورة أمنيّة، بل رؤية فلسفيّة تقول إنّ المجتمع المنظم يستطيع الدفاع عن نفسه دون الحاجة لجيش مركزيّ مستبد وهذه الفكرة تتحدى الأنظمة التقليديّة في المنطقة، وتعطي أملاً لشعوبٍ التي ترزح تحت وطأة الديكتاتورية وتعاني الحرب.
سرعان ما تطورت هذه الحاجة العفويّة الشعبيّة المعززة بفكرٍ وفلسفةٍ متينة تنظم أسس الحياة إلى بناء مؤسسات منظمة مثل وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ، اللتين شكّلتا لاحقاً العمود الفقريّ لقوات سوريا الديمقراطيّة “قسد” وهي ثمرة لإخوة الشعوب التي تعاهدت وتماسكت لتمتزج دمائهم سوياً عرباً وكرداً وسرياناً دفاعاً عن الأرض وعززت لدى الشعوب مفهوم الأمن المجتمعيّ.
تطوراتٌ وإنجازات
بعد أن نظمت شعوب المنطقة نفسها بناءً على أساسِ مفهوم الحماية الجوهريّة وتحولت في 2012 الى وحدات حماية الشعب وكان حينها تعدد الرايات والمجموعات على الساحة السوريّة أمراً يأخذ في الاتساع بينما التنظيمات المتطرفة تنتشر أيضاً، برزت الحاجة إلى إشراك المرأة ليس كمساعدة، بل كمقاتلة.
وفي عام 2013، تأسست وحدات حماية المرأة YPJ، كتنظيم نسائيّ مستقل كتفاً الى كتف مع بنية YPG، يحمل فكراً نسويّاً تحرريّاً عميقاً، لتكون خطوة غير مسبوقة في الشرق الأوسط خصوصاً أنّ المشاركة النسائيّة لم تكن رمزيّة، بل أساسيّة في كلّ جبهة من عفرين إلى الجزيرة، وقاتلت النساء جنباً إلى جنب مع الرجال، وفي العديد من المعارك كن أصحاب قرار فصل.
كما أنّه لا يمكن الحديث عن الحماية الذاتيّة وتطور هذا المفهوم دون التطرق إلى الحرب ضد مرتزقة “داعش”، التي شكّلت الامتحان الأصعب لهذا النموذج. ففي مقاومة كوباني عام 2014 تحول الدفاع الذاتيّ إلى ملحمة عالميّة، حيث قاومت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة وفصائل أخرى تؤمن بالحرية والنصر للقضايا العادلة الشعوب أعتى هجوم شنه مرتزقة داعش لتلفت انتباه العالم برمته الى هذه الإرادة القوية والملحمة البطوليّة.
لم تكن مقاومة كوباني عسكريّة فقط، بل لحظة كشف. هنا وقف الأهالي بوجوههم وأجسادهم العارية في وجه أكثر تنظيم دمويّ عرفته المنطقة، دون أن يهربوا، والنساء قاتلن جنباً إلى جنب مع الرجال، وحفر أهالي الأحياء الخنادق ليشكلوا حصناً لأبنائهم المقاتلين الذين يجابهون مرتزقة داعش.
حينها كان المجتمع الدوليّ يشكل التحالف الدوليّ لمحاربة داعش لكن على الأرض لم يكن هناك أيّ فصيلٍ يمكن الوثوق به فكانوا قد شكّلوا لذلك غرف “الموك والموم” وأثبتت فشلها في عدم وجود ثقة بالفصائل التي تتحرك على الأرض ليتزامن تشكيل التحالف الدوليّ مع ملحمة كوباني التي لفتت انتباه المجتمع الدوليّ الذي تدخل بدوره لمؤازرة تلك القوات التي كانت تسطر أعظم البطولات على الأرض.
انتهت المعارك الضارية بتحرير مدينة كوباني التي شكلت إلى انكسارات مرتزقة داعش التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من سوريا والعراق وكانت تنهار أمام زحفها المجموعات والجيوش تحطمت هذه الرواية وانكسر داعش الإرهابي في كوباني مطلع عام 2015 بدعم جوي من التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتحدة.
هذه المقاومة غيّرت المعادلة باتت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة لاعباً أساسياً في الحرب ضد داعش، وحظيت باحترام دوليّ، رغم التعتيم السياسي من قبل أطراف إقليمية كتركيا التي كانت ترتعد لهزيمة داعش الإرهابي الذي تلقى منها كل الدعم اللوجستي والعسكريّ.
وبعد بناء علاقة متينة مع التحالف الدوليّ؛ بدت تتوسع مناطق السيطرة، وتحرير كري سبي/ تل أبيض في منتصف 2015، شكل أيضاً انطلاقة قوية بعد أن تم الاعتماد على ضرورة تشكيل قوة تشمل كل شعوب المنطقة، لا تقتصر على الكرد فقط وهكذا في 10 تشرين الأول 2015، أُعلن رسمياً عن تشكيل “قوات سوريا الديمقراطيّة” واختصارها “قسد”.
هذه القوات ضمت وحدات وتشكيلات عسكريّة محليّة وإثنية ومجتمعية أبرزها وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ الى جانب مجموعة من المقاتلين العرب المنشقين عن فصائل المعارضة تحت مسمّى جيش الثوار الى جانب فصيل عشائري عربي بقيادة أبناء عشيرة شمر وهو قوات الصناديد، قوات سريانية آشورية متمثلة بالمجلس العسكريّ السرياني (MFS)، الى جانب كتائب شمس الشمال وجبهة الأكراد. لاحقاً خاضت قسد معارك كبرى في منبج، الرقة، ودير الزور، وصولاً إلى هزيمة داعش في الباغوز عام 2019 خلال هذه المعارك، لم تُحمِ الجغرافيا فقط، بل حُمي ملايين المدنيين من فظائع التطرف، وكانت قبل تحرير كل مدينة يتم التوافق مع أبنائها على تشكيل مجالس عسكريّة محليّة مثل منبج، الطبقة، الرقة، دير الزور، لتنضوي هذه التشكيلات جميعها تحت راية قسد وتقود معركة التحرير.
فقسد ستتولى مهمة الدفاع عن المنطقة وتحرير المناطق التي يسيطر عليها مرتزقة داعش بينما مهمة حماية المدن والبلدات داخلياً لا بد من تشكيل قوات لها وهي قوات الأسايش أو قوى الأمن الداخليّ والتي تشكلت من أبناء المناطق نفسها أي أنها ارتكزت في مضمونها على مبدأ الحماية الجوهريّة أيضاً والتي طورت في بنيتها لتضم عدة أجهزة متخصصة في بسط الأمن والأمان داخل المدن في الوقت الذي تخوض فيه قسد أعتى المعارك وتحرر مدن وقرى وبلدات جديدة وصولاً الى الباغوز آخر معاقل داعش الإرهابي عام 2019.
تضحياتٌ وتحدياتٌ كبيرة
هذه المسيرة الطويلة من التضحيات لم تكن عابرة بل كانت تسير وتتطور بفاتورة باهظة من الأرواح والتضحيات التي حققت شعوب المنطقة من خلالها مكتسبات بنيت على أسس معياريّة فكريّاً وأيديولوجيّاً وعقائديّاً لا يمكن التنازل عنها وإضاعتها هباءً منثوراً.
فبحسب البيانات الرسميّة الصادرة عن قوات سوريا الديمقراطيّة (قسد)، فإنّها قدمت أكثر من 13,000 شهيد وشهيدة منذ تأسيسها عام 2015 وحتى عام 2024، في معاركها ضد مرتزقة “داعش” وعدوان الاحتلال التركيّ، وفي عمليات حفظ الأمن في شمال وشرق سوريا.
فالحماية الجوهريّة النواة التي بنيت عليها هذه التضحيات الكبيرة لم تكن جملة تنظيريّة، بل شعور عميق عاشه سكان شمال وشرق سوريا بكافة شعوبهم وبنت عليها المجالس المحليّة وفق مبادئ هذه الحماية، وبدأت المدارس تُدرّس مفاهيم الدفاع المجتمعيّ والوعي ضد الاختراقات الفكريّة والإيديولوجيّة.
لذا؛ فإنه وبعد سقوط النظام السابق الذي قامر وغامر بمصير شعوب شمال وشرق سوريا لا بد من أن يكون لهذه التضحيات نتائجها وأن تعزز وفق مفهوم الحماية الجوهريّة بأن تحمي كلّ منطقة نفسها بنفسها وأن تدير كل منطقة نفسها بنفسها وفق مفاهيم مكملة للحماية الذاتيّة وهي اللامركزيّة التي تعد ركيزة من ركائز الأمة الديمقراطيّة والتي لا تعني بأيّ شكل من الأشكال الانفصال أو التقسيم كما حاولت كلّ الأطراف ضرب تضحيات شمال وشرق سوريا عرض الحائط وتشويه المفاهيم التي حمت المنطقة وحافظت على أسس استقرارها.
مشروع الإدارة الذاتيّة الثمرة الأخرى التي كانت بذرتها الحماية الذاتيّة، والتي تأسست لإدارة المناطق المحررة من داعش وتقديم الخدمات للمجتمعات المحليّة ومساندتهم على النهوض بعد الإرهاب، ولكن على رأس التحديات التي تواجه مشروع الإدارة الذاتيّة تأمين الحماية الجوهريّة في ظلِّ استمرار التهديد التركيّ وتواصل القصف، الطائرات المسيّرة، واحتلال مناطق حدودية مثل عفرين وسري كانيه.
إلى جانب اعتداءات الاحتلال التركيّ كان هناك سيل من محاولات التشويه السياسيّ من الحكومة السوريّة الانتقاليّة وبعض الأطراف الأخرى التي تتهمها بالانفصال أو التبعيّة لأجنداتٍ خارجيّةٍ وهذا ما يعتبر منافي للحقيقة التي بنيت عليها أسس العيش المشترك وأخوة الشعوب بإيمان مطلق بوحدة سوريا وحماية أراضيها.
رغم أنّ من اعتلى سدة الحكم اليوم بعد سقوط النظام تعهد بتقديم نموذج يختلف عن نموذج النظام السابق إلا أنّه ما من تغيير جوهريّ حقيقيّ في آلية التعاطي، فلا زالت المركزيّة المقيتة هي التي تحكم، والتغيير لم يكن في المضمون والذهنيّة بل اقتصر على الشكل والأسماء، وهذا ما لم يحقق نتائج ملموسة للشعب السوريّ ولم يتح لهم المجال في المشاركة بصناعة القرار بعدما تم إقصاؤهم وتهميشهم.
في خضم هذه التحديات الكبيرة والمتغيرات الكبيرة التي طرأت على سوريا وفي مواجهة المخاطر المتنوعة، برز في شمال وشرق سوريا نموذجٌ مختلفٌ في التنظيم السياسيّ والعسكريّ، فقد طوّرت شعوب هذه المنطقة مفهوماً خاصاً للأمن أطلقت عليه “الحماية الذاتيّة”، ولا يرتبط هذا المفهوم فقط بالدفاع العسكريّ عن الأرض، بل يشمل أيضاً المشاركة المجتمعيّة، الدفاع عن التعدديّة، ومحاربة الإرهاب بكل أشكاله وكان نواة لتشكيل الإدارة الذاتيّة وقوات سوريا الديمقراطيّة واضعاً هدفاً نصب عينيه هو الأمة الديمقراطيّة والعيش المشترك بين كل الأعراق والإثنيات والقوميات والأديان، وهو ما تحتاج له سوريا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.
No Result
View All Result