No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – أهالي عفرين حملوا وجع الوطن في المخيمات، وفقدان الأبناء تحت القصف والتهجير، وبين خيم نوروز، ينتظرون العودة إلى البيوت مصحوبين بالحماية والأمان.
في زوايا مخيم نوروز، تتقاطع الحكايات، وتتشابه الوجوه التي أنهكها التهجير، لكن لكل خيمة وجعها الخاص. فبين خيوط القماش المهترئة، أهالي جمع بينهم فقدان الأحبّة، وضياع الوطن، والحلم المتكرر بالعودة إلى الأرض التي لا تزال تسكن الذاكرة.
أمهات شهداء تنظر إلى صور أولادها، فيما أمهات أخريات يتذكرن رحلة الهروب القسري، وبين فقد الأبناء وفقدان البيوت، تنبت قصص هؤلاء النساء شواهد حية على معاناة آلاف العائلات العفرينية، التي هجرت قسراً من أرضها، وبقيت تنتظر العودة المشروطة بالأمان.
حكاية وجع وحلم بالعودة
تجلس “فايقة حسن” داخل خيمتها في مخيم نوروز، تتأمل صور ولديها الشهيدين “ريزان” و”شواز” المعلّقتين على جدارٍ ممزق من القماش، يعلو وجهها وجع صامت لا يفارقها، وجع لا يشبه أي فقر أو تهجير، بل هو ألم الأم التي فقدت أبناءها إلى الأبد دون أن تودّعهم.
استُشهد “ريزان سيد” في معارك حلب عام 2011، بينما ارتقى “شواز” في سد تشرين عام 2024، وكأن القدر أصرّ أن تكتب فايقة قصتها بالدم والدمع، من قلب عفرين إلى خيم الشتات، فتنظر بين الخيم البيضاء، وكأنها تنتظر أن تحمل لها الريح بعضاً من تراب عفرين، مدينتها التي هجّرتها الحرب، وسرقت منها أولادها وبيتها وكل شيء.
“خرجنا عام 2019 من عفرين، ولم نحمل معنا شيئاً سوى الخوف والحسرة”، والقصف كان فوق رؤوسنا، خرجنا من الأشرفية، من عند كازية عائشة، لم نأخذ شيئاً، كنا مسرعين وكنا نفقد أرواحنا، وكنا لا نغادر مغادرة المكان، ولكننا غادرنا”.
هُجرت فايقة مع عائلتها إلى مقاطعة الشهباء، تتذكر بمرارة القرية التي سكنت فيها: “سكنّا في بيت خربان، بلا سقف، بلا نوافذ لا شيء سوى الجدران، والجدران كانت أرحم من السماء المفتوحة على الموت”.
في تلك الظروف القاسية، ومع فقد أول أولادها طرق الحزن بابها للمرة الثانية، فبعد سنوات من التهجير، جاء المصاب الثاني، ريزان سيد، الذي استُشهد عام 2024 في مقاومة سد تشرين، فترك أمه تعاني الفقد مرتين.
“استشهد أولادي، ولم يبقَ لي سوى ذكرياتهم وصورهم التي أخاف أن تبهت”، تقول وهي تسحب نفساً عميقاً من الهواء الساخن داخل الخيمة “هذه ليست حياة، لا كهرباء، ولا ماء، ولا برّاد، حتى الماء البارد أصبح حسرة علينا، لم يقاتل ويستشهد أولادنا لنتشرد في أوطاننا”.
رغم الألم، لا تفقد فايقة الأمل بالعودة: “حتى لو كانت عفرين مدمّرة، سنعود ونبنيها من جديد، منازلنا، وأشجارنا، ملكنا نبنيها غصاً غصناً، ولا يشاركنا فيها أحد كالخيم. إننا أصحاب هذه الأرض، ومن أجلها استُشهد أولادي، لم يضحوا بحياتهم كي نعيش على هامش الحياة، بعيداً عن أرضنا ووطننا”.
وتبقى فايقة حسن مثالاً حيّاً على معاناة آلاف النساء في إقليم شمال وشرق سوريا من أمهات دفعن ثمناً باهظاً للحرب والتهجير، وبقي حلم العودة وحده هو السقف الذي يأويهن.
لن نعود دون حماية
وفي خيمة أخرى، تجلس “حورية عبد الله”، مهجرة من حي الأشرفية في عفرين، تُربت على حفيدها الصغير، وتحكي قصتها وهي تنظر إلى وجوه أحفادها الثلاثة، الذين هم كل ما تبقّى لها في الحياة.
تقول حورية بصوت خافت تتخلله الحسرة: “أنا من الأشرفية في عفرين، خرجنا مجبرين من هناك ثم إلى الشهباء مع عوائل أولادي وأحفادي، ثلاثة أبناء، وثلاثة من أبناء أولادي، تركنا كل شيء خلفنا، وخرجنا في عربة بسيطة وسط البرد، فمن عفرين إلى الشهباء ثم إلى مخيم نوروز، أما وجهتنا التالية لا نعلم، وكل رحلة كانت أصعب من التي سبقتها”.
تصف حورية تلك اللحظات بأنها “رحلة تشبه الموت”، حيث كانت العيون مذعورة، والقلوب ترتجف مع كل صوت قذيفة، وكل صرخة طفل: “رأينا الرعب بأعيننا، لم يكن هرباً بل فزعاً من الموت، ومن كل ما يمكن أن يحدث على الطرقات”.
ورغم المعاناة، لا تزال حورية تحمل في قلبها أمل العودة، بشرط واحد: “لو يقولون لنا اليوم نعود، نذهب فوراً، ولكن نريد حماية، لا نريد أن نعود لنعيش الخوف من جديد فمن حق أطفالنا أن يحظوا بحياة كريمة”.
بين الخيم، يتكرر صوتها، كما لو كان صدى لأصوات آلاف النساء اللواتي يحملن الذاكرة في حقائب صغيرة، ينتظرن وعداً واحداً فقط: العودة إلى الأرض، مع كرامة وأمان.
No Result
View All Result