No Result
View All Result
روديا عبدو
في زحمة التخصصات العلمية والاتجاهات الفكرية، ووسط تراكمات طويلة من الخطابات النسوية والنظريات الاجتماعية، يبرز مصطلح جديد بدأ يتردد في الأوساط الفكرية والسياسية، لا باعتباره “حلاً نهائياً”، بل محاولة جادة لإعادة صياغة فهمنا للمرأة والعلاقات الاجتماعية والسلطة والمعرفة.
هذا المصطلح هو: الجنولوجي – Jineolojî، أو ما يُعرف بـ “علم المرأة”. لكن ما الذي يجعل هذا العلم مختلفاً؟ ولماذا نحتاجه أصلاً؟ وهل هو بديل للنسوية أم امتداد نقدي لها؟ وهل يمكن الوثوق بعلم لا يزال في بداياته؟ دعونا نُفكك هذا المفهوم بهدوء.
ما الجنولوجي؟
الجنولوجي كلمة مركبة من: “Jin” بالكردية، وتعني المرأة، وهي مشتقة من جذر “Jiyan” أي “الحياة”، “Lojî” من “Logos”، وتعني العلم أو المنطق، أي أن الجنولوجي تعني “علم المرأة”، أو “العلم من منظور المرأة”. لكنه؛ لا يقتصر الجنولوجي على دراسة المرأة بوصفها موضوعاً، بل يسعى إلى إعادة بناء العلوم الإنسانية والاجتماعية بمعايير جديدة تُنصف المرأة.
لماذا نحتاج الجنولوجي؟
السؤال الجوهري: هل العلوم التي نملكها اليوم أنصفت المرأة؟
– في علم التاريخ: تم تجاهل أدوار النساء أو تقزيمها.
– في علم الاجتماع: دُرست الأسرة والمجتمع من منظور ذكوري.
– في الفلسفة: سادت أفكار تعتبر المرأة “ناقصة العقل” أو عاطفية بطبعها.
– في علم الأخلاق: قُيّمت النساء بناءً على مفاهيم الشرف والطاعة والخضوع.
– في السياسات السكانية: استُخدم جسد المرأة كوسيلة للضبط والضبط الديمغرافي.
الجنولوجي لا تدّعي أنها علم شامل أو بديل كامل، لكنها محاولة تصحيح مسار معرفي استمر لقرون دون صوتٍ نسائي حقيقي.
ما الفرق بين الجنولوجي والفيمينزم؟
النسوية (الفيمينزم) قدمت الكثير للنساء، خاصة في الغرب:
– حق التصويت.
– المساواة في العمل.
– قوانين الحماية من العنف.
– نقد للأنظمة الأبوية.
لكن النقد الأساسي للجنولوجي هو أن معظم الحركات النسوية، خاصةً الليبرالية، تعمل داخل النظام القائم، دون مساءلة جذوره.
بينما تسعى الجنولوجي إلى ما هو أبعد من ذلك: لا تركز فقط على الحقوق القانونية، بل على تحرير بنية الفكر والمعرفة. ولا تسعى لمساواة شكلية، بل إلى نموذج مجتمعي تشاركي يعترف بالاختلاف دون تفوق أو خضوع، ولا تفصل تحرر المرأة عن البيئة، والمجتمع، والاقتصاد، والروحانيات.
ما أهداف الجنولوجي؟
-
تأسيس علم نقدي يعيد فهم المرأة خارج النظريات الغربية أو الشرقية الجاهزة.
-
دمج البُعد البيئي والروحي والجمالي في رؤية متكاملة.
-
تفكيك العلاقة بين السلطة والمعرفة والجسد.
-
تقديم بديل عملي للعيش المشترك بين الرجل والمرأة على أساس الاحترام والتكامل، لا التنافس.
أمثلة نسائية دعمت هذا التوجّه
– ساكينة جانسز: من أبرز المنظّرات الكرديات، ساهمت في تطوير فكرة الجنولوجي من داخل السجون والمقاومة.
– روشن بدرخان: أول امرأة كردية بارزة في التعليم والنشر، مثّلت المرأة في العمل الثقافي.
– بل هوكس: نسوية أمريكية سوداء ربطت بين العرق والجندر والطبقة في نقدها للفيمينزم الأبيض.
– سيمون دي بوفوار: رغم كونها مرجعية نسوية، انتقدت دور الثقافة في “صنع المرأة” وليس اكتشافها.
الحياة التشاركية.. فلسفة بديلة للعلاقات
أحد المفاهيم المحورية في الجنولوجي هو “الحياة التشاركية”، وهي لا تعني فقط مشاركة المهام بين الرجل والمرأة، بل:
– إعادة النظر في مفاهيم السلطة داخل الأسرة والمجتمع.
– إلغاء ثنائية “المهيمن/ الخاضع”.
– بناء علاقات متوازنة قائمة على الكرامة والمسؤولية والحرية.
– تشجيع نماذج تعاونية في الاقتصاد، التربية، وحتى تنظيم الوقت والعمل.
الجنولوجي كعلم بيئي أيضاً
الجنولوجي لا يفصل تحرر المرأة عن البيئة، فالمنظومة التي سيطرت على جسد المرأة، هي نفسها التي أفسدت الأرض، ولوّثت الهواء، وسلّعت الطبيعة.
في فكر الجنولوجي:
– الجسد ليس ملكية خاصة للدولة أو الدين، بل مساحة وجودية حرة.
– الطبيعة ليست مادة للاستغلال، بل كائن حيّ يحتاج الرعاية.
– تحرير المرأة والأرض شرطان متكاملان لبناء مجتمع سليم.
أين يطبّق الجنولوجي اليوم؟
بدأ الجنولوجي بشكل جدي في كردستان وبشكل خاص في روج آفا، ضمن مشاريع الإدارة الذاتية الديمقراطية، من خلال:
– تأسيس أكاديميات جنولوجي.
– تطوير المناهج التعليمية للمرأة والطفل.
– مشاريع اقتصادية نسائية تشاركية.
– توثيق تاريخ المرأة المحلي.
– نشر كتب ومجلات تدعم الفكر النقدي النسوي من داخل السياق الكردي.
هل يمكن الوثوق بهذا العلم الجديد؟ بطبيعة الحال، الجنولوجي ما زال علماً في طور البناء، لكن قوته تكمن في:
– يستند إلى تجربة واقعية لا تنظيرية فقط.
– يرتكز على حاجة حقيقية لسدّ فجوة معرفية كبيرة.
– يفتح نقاشاً مفتوحاً لا تُقدّم أجوبة جاهزة.
خاتمة: لماذا علينا أن نقرأ عن الجنولوجي؟ ليس لأنه موضة فكرية، ولا لأنه أيديولوجيا بديلة. بل لأنه محاولة صادقة لإعادة النظر في أسئلة عميقة:
– من نكون؟
– من كتبنا؟
– ولماذا ما زلنا نعيد إنتاج الظلم بأشكال مختلفة؟
الجنولوجي ليس نهاية الطريق، لكنه خطوة أولى نحو علم أكثر عدالة، وأكثر إنسانية، وأكثر فهماً للمرأة بوصفها كياناً كاملاً، لا نصفاً مكسوراً.
No Result
View All Result