دجوار أحمد آغا
ما تزال المرأة منبع الحياة، فهي التي تمنح الإنسانية الاستمرار في الوجود من خلال الولادة. ومنذ القديم كان الإنسان يعتبرها آلهة نظراً لمكانتها ودورها الكبير في الحياة، والحفاظ عليها وكثيراً ما نجد لدى بحثنا في التاريخ القديم صوراً لتماثيل تُجسّد المرأة عبر تمثال ضخم وإلى جانبه تمثال صغير للرجل في إشارة إلى مدى أهمية ومكانة ودورها في المجتمع قديما. بينما في عصرنا الراهن، ترى بأن القوى المتنفذة والمسيطرة على العالم، قد جعلت المرأة أداة تخدم أهدافها في تحقيق الأرباح والمكاسب، وقد اُستغلّت المرأة أبشع استغال، لدرجة لم يبقَ جزء من جسدها إلا وعرضته من خلال الإعلانات والدعاية، حتى صوتها الإنثوي الرقيق استغلته في بيع منتجاتها وجذب المستثمرين. الحكومات الدكتاتورية والاستبدادية، هي الأخرى استفادت من بقاء المرأة مقيدة بالعادات والتقاليد البالية ومن تجرأت بمواجهة الواقع المتخلف، قامت هذه السلطات بتشويه سمعتها والسعي للنيل منها حتى لو اضطر الأمر إلى قتلها بأي طريقة كانت، فما بالك بتلك المرأة التي امتلكت زمام المبادرة وأصبحت رائدة في مجتمعها وحرة في اتخاذ قراراتها!
الاعتداءات التركية ضد مناطقنا
قامت تركيا باحتلال عدة مناطق سورية من خلال هجمات احتلالية أطلقتها تحت مسميات تنافي حقيقة أهدافها وهي ما تسمى بـ (عملية درع الفرات 2016، عملية غصن الزيتون 2018، عملية نبع السلام 2019) التي احتلت بموجبها مناطق إعزاز، جرابلس، عفرين، سري كانيه، وكري سبي/ تل أبيض، قامت تركيا بارتكاب الكثير من المجازر بحق شعوب سوريا وخاصة في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا؛ مجازر يندى لها جبين البشرية بالخزي والعار.
تركيا ومنذ بدء الأزمة السورية، كانت لاعباً مشاركاً فيها من خلال دعم المجموعات الإرهابية وفتح الحدود أمام تدفق الآلاف من المرتزقة الأجانب وتقديم الدعم والمساعدة المباشرة لمرتزقة “داعش” الإرهابي، إلا أنها لم تكتفِ بذلك بل قامت بارتكاب مجازر بحق المدنيين وخاصة النساء والأطفال.
أبرز المجازر التركية بحق شعوبنا
ليس بالضرورة أن تقوم دولة الاحتلال التركي بنفسها بارتكاب الجرائم، إنما كانت تقوم بتوجيه المرتزقة والمجموعات الإرهابية التي تتلقى الدعم والأوامر مباشرة منها بتنفيذ هذه الجرائم ومن أبرزها الهجوم الذي شنّه مرتزقة داعش ضد مبنى بلدية قامشلو في 11 اذار 2014 مما أدى إلى استشهاد 12 مدنياً جلهم من النساء. هجوم آخر قامت به مرتزقة داعش بدعم من الاحتلال التركي ضد عشيرة “الشعيطات” في ريف دير الزور بتاريخ 15 آب 2014 أدى إلى استشهاد 1300 شخص، بالإضافة إلى خطف 400 آخرين. في العام نفسه قامت المرتزقة بهجوم على دوار الساعة في الرقة واستشهد على إثره 40 شخصاً.
خلال العام 2015 قامت هذه المرتزقة التابعة لدولة الاحتلال التركي بارتكاب مجازر في تل تمر بتاريخ العاشر من كانون الأول استشهد فيها 28 مواطن وجرح 60 آخرين، كما استهدفوا تجمعاً للأهالي في الحسكة عشية عيد النوروز 20 آذار؛ الأمر الذي أدى إلى استشهاد 53 شخصاً، وإصابة 130 آخرين. وفي العام نفسه بتاريخ 25 حزيران ارتكبت مرتزقة داعش مجزرة في كوباني راح ضحيتها 273 شخص. وفي أعوام 2016، 2017، 2018، تم تنفيذ الكثير من المجازر بحق شعوب المنطقة منها تفجير الحي الغربي في قامشلو 27 تموز، والذي أسفر عن استشهاد 62 شخصاً، وإصابة 176، كذلك استهداف صالة السنابل في الحسكة واستشهاد 36 شخصاً، بالإضافة إلى مجزرة قرية جزرة البو شمس في ريف دير الزور، والتي استشهد خلالها 33 مدنياً معظمهم نساء وأطفال. وبعد القضاء على آخر معاقل داعش الإرهابي في الباغوز، بدأت دولة الاحتلال التركي بالاستهداف المباشر عبر مسيراتها ضد شعوبنا حيث ارتكبت في 23 حزيران 2020 مجزرة في قرية حلنج بريف كوباني راح ضحيتها ثلاث نساء رائدات في نضال المرأة التحرري هن أمينة ويسي، وزهرة بركل، وهبون ملا خليل.
دولة الاحتلال التركي واستهدافها المرأة
لم تتوانَ دولة الاحتلال التركي عن استهداف المرأة الحرة سواء في باكور كردستان أو باشور وروج آفا. فهي تسعى إلى إسكات صوتها والقضاء على إرادتها الحرة وإعادتها إلى نظام الحرملك. هذا النظام الذي يجعل المرأة جارية وعبدة تحت الطلب لرغبات الذكر المتخم بالذهنية الذكورية. لذا؛ نراها دوماً تعمل ضد المرأة الحرة. وعلى هذا الأساس قامت بارتكاب مجزرة باريس الأولى في التاسع من كانون الثاني 2013 واستهدفت المناضلات (ساكينة جانسيز، وفيدان دوغان، وليلى شايلمز). واستهدفت أيضاً ثلاث نساء كرديات أخريات هن (سيفي دمير، وفاطمة أويار، وباكيزة نايير) في بلدة سلوبي بباكور كردستان بتاريخ الرابع كانون الثاني 2016، كما حكمت على المحامية الكردية “أبرو تيتمك” بالسجن 13 عاماً بتهمة الانتماء إلى جماعة يسارية، وبعد أن بدأت أبرو بالإضراب عن الطعام الذي استمر 238 يوماً فقدت حياتها بسبب عدم الرعاية الصحية في السجون والمعتقلات التركية. كما أنها قامت باغتيال الناشطة السياسية “ناكهان أكارسال” في السليمانية بباشور كردستان بدم بارد بتاريخ الرابع من تشرين الأول 2022. بالإضافة إلى استهداف ثلاث نساء كرديات من القيادات ضد داعش (جيان عفرين، وروج، وبارين) بتاريخ 22 تموز 2022 عبر مسيرة بالقرب من قامشلو. ومؤخراً استهدفت عضوة منسقية مؤتمر ستار “هيفا عربو” بتاريخ 27 كانون الثاني 2025 في باشور كردستان.
مجزرة 20 حزيران 2023
لم تكن المرة الأولى، التي تستهدف فيها دولة الاحتلال التركي المرأة الحرة ساعية إلى تحطيم إرادتها والحد من فعاليتها ونشاطها المتزايد خاصة في مناطق شمال وشرق سوريا، التي تسير وفق نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية، الحل الأنسب والأفضل للأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من عقد من الزمن.
ففي صبيحة 20 حزيران عام 2023 وبشكل متعمّد، ارتكبت دولة الاحتلال التركي مجزرة جديدة بحق شعوب شمال وشرق سوريا، وبحق الإنسانية جمعاء من خلال استهداف سيارة مدنية كانت تقل الرئيسة المشتركة لمقاطعة قامشلو يسرى درويش، ونائبتها ليمان شويش، وفرات توما، وكابي شمعون الأمر الذي أدى الى استشهاد يسرى، وليمان، وفرات، وإصابة كابي بجروح.
الصمت الدولي قاتل
صمت المجتمع الدولي حيال هذه الهجمات البشعة التي تشنها دولة الاحتلال التركي ضد شعوب شمال وشرق سوريا كنوع من الانتقام لخسارة ربيبتها “داعش”، على يد مقاتلي وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ وقوات سوريا الديمقراطية QSD الأمر الذي يدفعها إلى الانتقام من هؤلاء الأبطال والبطلات بأساليب جبانة بعد أن خسرت في المواجهات المباشرة معهم وجهاً لوجه.
هذا الصمت المريب للمجتمع الدولي يُشجّع دولة الاحتلال إلى القيام بشن المزيد من الغارات والهجمات الوحشية ضد مناطقنا. يجب على المجتمع الدولي أن يتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً إزاء هذه الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، وخاصة النساء والأطفال وإلا فهو شريك في ذلك.
لن تذهب دماؤهم هدراً
الدماء الزكية التي سقت هذه الأرض لن تذهب هدراً، وسوف يدفع العدو الثمن باهظاً، الرد لن يكون تقليدياً بالانتقام وقتل عدة جنود، وضباط من قوات العدو، بل الرد سيكون بالسير على خطا الشهداء والاستمرار في بناء ما بدؤوا به. إن نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا والذي شاركت في بنائه منذ البدايات الشهيدات يسرى درويش، ليمان شويش، والشهيد فرات توما، أثبت للعالم أجمع بأنه الحل الأفضل والأنسب للازمة السورية. بفضل تضحيات عشرات الآلاف من الشهداء وجرحى الحرب، استطعنا أن نصل إلى ما نحن فيه الآن. هذه الإنجازات العظيمة، وهذه المكاسب الكبيرة سواء في مجال التعليم أو الصحة أو الأمن والأمان لم يكن من الممكن أن تتحقق لولا تضحيات رفاقنا ورفيقاتنا الذين ضحوا بأرواحهم وأجزاء من أجسادهم في سبيل الوصول إلى هذا الوضع. ومن خلال يسرى درويش، ليمان شويش، وفرات توما نستذكر شهداءنا وننحني إجلالاً وإكباراً لتضحياتهم الكبيرة.