تحقيق/ رامان آزاد –
لم تتوقفِ التهديداتُ التركيّة باجتياحِ الحدودِ السوريّة منذ بداية الأزمة السوريّة، وقد عملت على فبركةِ الحججِ وتوجيه الإرهابيين لتنفيذ الاعتداءاتِ على كامل المناطق الحدوديّة، ثم دخلت فعليّاً محتلةَ مناطقَ غرب الفرات، واليومَ يعلنُ أردوغان أنّ الجيش التركيّ بصددِ تنفيذ عملية عسكريّة شرق الفرات خلال أيام.
تركيا تهديدٌ للأمن الوطنيّ السوريّ
مبرراتُ أنقرة لا صِحّة لها، فالقضيةُ متعلقةٌ فقط بمخاوفِ مزعومةٍ، تترجمُ معاندتَها ورفضَها إيجادَ حلٍّ سلميّ ديمقراطيّ للقضاياِ التاريخيّة العالقة وتصديرَ مشكلاتها الداخليّة، وتستندُ لفاشيةٍ عنصريّةٍ وفكرةِ أحاديّةِ القوميّةِ وإلغاءِ ما عداها. والتهديداتُ التركيّةُ لا تقيمُ وزناً للسيادةِ الوطنيّة السوريّة، فالحدودُ السياسيّةُ فاصلٌ معترفٌ به دوليّاً يمنحُ كلّ دولة استقلاليّةَ قرارِها السياسيّ، ويحفظ خصوصيّةَ تطلعاتِ شعبِها، وأما اعتبار أيّ وجودٍ عسكريّ على أرض البلد المجاور تهديداً للأمن القوميّ، فتلك حجةٌ سخيفة؛ لأنّ من حقِّ كل دولةٍ الاحتفاظ بقواتِ حرس الحدود لضبطِ ومراقبة حركةِ العبورِ.
ولأنّ الدولةَ توصيفٌ اعتباريّ، فإنّ مهمةَ توفير الأمن وحماية الحدود تصبحُ واجبَ المواطنين في حال تقصير المؤسساتِ بأدائها، وهو تماماً ما تقومُ به قوات سوريا الديمقراطيّة، فهي قواتٌ حازت كاملَ شرائطِ الوطنيّةِ سواءٌ بتشكيلها من سوريين من كلِّ المكونات، أو مهتمها بالتصدّي للإرهاب وتطهير الأرض منه، وبالتالي هي شكلٌ من المنظومةِ الدفاعيّةِ الوطنيّة، وكان من الأولى أن تُعتبرَ أنقرة وجودَ المرتزقةِ الإرهابيين من جنسياتٍ مختلفةٍ على الحدودِ تهديداً لأمنها. كما أنّ العمليةَ العسكريّة التركية المزمعة شرق الفرات لا تحوزُ توافقَ الأوساطِ السياسيّة التركيّة، وتعارضُها أحزابٌ وازنةٌ بالبرلمان التركيّ، عدا التخوفاتِ الجدّيّة من الاصطدام مع القواتِ الأمريكيّة.
لم تشكّل مناطقُ شمال سوريا يوماً تهديداً للأمنِ التركيّ، واليوم من شأن مراكز المراقبةِ الأمريكيّةٍ فصل الحدودِ وضبطِها مجاراةً للمزاعمِ التركيّة التي قالت واشنطن أنّها “تتفهمها”، بل العكسُ صحيحٌ، فحركةُ عبورِ الحدودِ على طولِ مسار الأزمةِ السوريّة تجلّت بخروج المدنيين اللاجئين، فيما اُدخِلَ الإرهابيون والسلاح والعتاد من الطرفِ التركيّ، ولعبت أنقرة دوراً خطيراً في الأمن الوطنيّ السوريّ، ودعمت مجاميع إرهابيّة متطرفة، وحوّلت الأزمة السوريّة إلى صراعٍ طائفيّ مذهبيّ وأجّجتِ الفتنة الطائفيّة.
تروّج أنقرة صورةً مشوّهةً كليّاً عن الإدارة الذاتيّة ولا تكتفي بمجرد حرفِ الحقائقِ، بل قلبها عكسيّاً، وتوجيه اتهاماتٍ بالانفصالِ والتقسيم، فيما كلُّ إجراءاتِ الاحتلالِ التركيّ في الباب وجرابلس وعفرين تؤكّد حقيقةَ فصلها والتعاملَ معها كمناطقَ تابعةٍ لتركيا وتتبع سياسة التتريك فيها، اعتباراً من تسمية قائم مقام تركيّ والتعامل بالعملة التركيّة ورفع العلم التركيّ فوق المؤسساتِ وتغيير أسماء القرى والساحاتِ العامة حتى تصبحَ اللغةُ التركيّة متداولة بالمجتمع؛ وبالتالي فالسياسةُ التركيّة لا تستهدفُ الكردَ وحدهم، بل الهويةَ السوريّة.








