سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

في معنى الاعتقال والعزيمة السائلة من خلف القضبان

عمر موسى


أرادت الأنظمة القمعية عبر سياسة الاعتقال والإبعاد، إفشال الفاعلية السياسية والنشاط الاجتماعي للمعتقلين، أي نزعهم عن هموم شعوبهم وقضاياهم، لكن ذلك لم يتحقق، إذ تضاعف دور الأسرى والمعتقلين، بعزيمتهم السائلة من خلف القضبان، في قضاياهم الوطنية، وحافظوا رغم البعد، على القرب من قضايا شعوبهم ووجدانهم.

يستعرض الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، الأرضية التي تشكلت على إثرها فكرة وسياسة الاعتقال، وتشييد المعتقلات، وهي تجريد المعتقلين من الوضع السياسي وتحويلهم إلى مجرد حيوات عارية، أي الحياة البيولوجية المجرّدة، ونزع الناشطية السياسية عن الأشخاص وعن دورهم السياسي، ورغم أن المعتقلات بحد ذاتها شُيدت على أرضية غير قانونية، إلا أنها تحولت مع الوقت إلى جزء من المنظومة القانونية للدولة القومية.

ونرى سعي الأنظمة لإقصاء الأسرى والمعتقلين عن دورهم الاجتماعي والسياسي في الحيز الذي يتواجدون فيه، وهو الأمر الذي يتحقق بـ “الاعتقال” مع ذلك، جوبهت مساعي الأنظمة بالفشل إلى حدٍ ما، رغم الإبعاد الجسدي والنفسي للأسرى عن واقعهم أو الحيز الجغرافي الذي يتواجدون فيه، إلا أن إرادة الأسرى ظلت حاضرة، وظلوا جزءاً من نسيج شعوبهم الاجتماعي والسياسي.

ويمكن القول، إن القائد عبد الله أوجلان، والأسرى الفلسطينيين نماذج عملية على كسر الإرادة الاحتلالية والقمعية، وإفشال خطط إبعادهم عن قضاياهم، ونزعهم عن هويتهم السياسية.

القائد أوجلان

بالنظر إلى سير حياة القائد عبد الله أوجلان، نرى أن الأسر، لم يكن نهاية القصة، بل مفتاحاً لشكل آخر من الحكاية، بالنسبة للنظام التركي، ظن أن الاعتقال والعزل، سيكتب نهاية القائد أوجلان كأيقونة ثورية، وكعنصر سياسي جامع ومهم في نسيجه الاجتماعي وقضيته. كتب القائد أوجلان خلال تواجده في السجن، عشرات الكتب والأبحاث في السياسة والتاريخ والاجتماع والفلسفة، وعلى خصوصية موقفه وضيق الحيز الذي يتواجد فيه، تجاوزت اهتمامات وكتابات أوجلان السياسية تبعاً لموقفه، إلى تفكيك مسارات الفلسفة والفكر، مجترحاً من كل المسارات، خطاً سياسياً ينشد الحرية.

ورغم الإبعاد المادي، ظل القائد أوجلان، محافظاً على قيادة حزب العمال الكردستاني، وإدارته، وصولاً إلى بنيته الأكثر تنظيماً الآن، وعلى العكس، لم يحقق الاعتقال والإبعاد، الهدف الذي أرادته تركيا، وهو تغييب أوجلان عن المشهد ككل، وإفراغ فاعليته السياسية، ليتحول أوجلان من بعد الإبعاد والاعتقال إلى رمز للحل، وتضاعفت قيمة القائد أوجلان وتحولت إلى أيقونة النضال الكردي، ورغم تعرضه للسجن والإبعاد، إثر تمسكه بقضيته ونضاله من أجل شعبه، لم يَغِب معنى أوجلان عن الرأي العام العالمي، وتحول وهو في سجنه  إلى رمز للسلام، رغم محاولة النظام التركي شيطنة صورته.

واليوم وبعد كل سنوات السجن والإبعاد، لم تتغير قيمة أوجلان ولا فاعليته السياسية، فعلى الرغم من أن الهدف التركي بالأساس من اعتقاله كان إخراجه من المشهد الكردي عموماً، إلا أن إرادة القائد أوجلان، أفشلت ذلك، فلم يكن السجن، إلا حيز للمزيد من العمل السياسي والنضال من أجل قضيته. هكذا، تحول أوجلان إلى مفتاح الحل وبابه رغم كل القضبان التي تحيط به، والعيون التي ترقب كل حركة منه.

الأسرى الفلسطينيون

 يمكن إسقاط النموذج ذاته على الأسرى الفلسطينيين، لم تتحرك إسرائيل لأجل اعتقال فلسطيني، إلا لأجل نشاطه السياسي وسعي هذا الفرد لتشكيل أو خدمة تحرك سياسي تجده إسرائيل خطراً، وكان الهدف ذاته، الإبعاد عن الحيز الاجتماعي والجغرافي الذي يربط هذا الفرد بجماعته، لإقصاء خطره وهو نشاطه السياسي، وإعطاب فاعليته السياسية، وإخراجه من المشهد.

لكن ما الذي حدث؟ ظل الأسرى الفلسطينيون، منهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وكريم يونس ونائل البرغوثي، متمسكين بفاعليتهم السياسية وتحولوا إلى أيقونة في المخيال الفلسطيني ورمزاً لأي حل ممكن، لم تنجح إسرائيل في منع الأسرى من الحفاظ على مكانتهم السياسية وفاعليتهم في قضايا شعبهم، وكما كانوا عناصر فاعلين في المشهد الفلسطيني، ظل الأسرى وهم خلف القضبان، عناصر فاعلين في المشهد السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وعلى العكس أيضاً، شكّل الأسرى وقوداً لتغير حقيقي على الأرض، في عام 1987، كان إضراب الأسرى في السجون الإسرائيلية شرارة بدء الانتفاضة الأولى، وضمن قيادة الانتفاضة كان هناك أسرى داخل السجون.

إلى جانب ذلك، شكّل الأسرى الفلسطينيون لجان تعليم ودراسة، وأنشأوا داخل السجون بنية تعليمية، وتنظيمية بغية الحفاظ على ارتباطهم التنظيمي واتصالهم الوثيق بالميدان خارج السجون، وطوال السنين الماضية، حافظ الأسرى على أن يكون مصيرهم هو المصير ذاته في خارج السجون، فكانت الأوضاع عند كل توتر في الخارج، تنعكس داخل السجون، وتتحول السجون إلى مساحات للمواجهة والاحتجاج.

ظل الأسرى الفلسطينيين العنوان الجامع لكل الفصائل الفلسطينية، وفي عام 2006 على سبيل المثال كان للأسرى الفلسطينيين دور كبير في إعادة الوحدة الوطنية عبر وثيقة الوفاق الوطني التي صيغت داخل السجون عام 2006، وتبنتها الفصائل الفلسطينية وتشكل على أثرها أول حكومة وحدة وطنية عام 2007.

إفشال أهداف الأنظمة القمعية

 بالعودة إلى مفهوم الفيلسوف أغامبين حول الهدف من الاعتقال وإنشاء المعتقلات، يمكن القول إن الأسرى – أوجلان والأسرى الفلسطينيين – كنماذج عملية وحقيقية، كسروا معادلة الأنظمة القمعية وأفرغوا المعتقلات والسجون من معناها السياسي، فمنذ لحظة الاعتقال وصولاً إلى المرحلة الراهنة، ظل الأسرى يحتفظون بفاعليتهم السياسية في قضاياهم وفي وجدان شعوبهم وتحولوا إلى رموز وعناوين للحل.