سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هجرة الشباب الجديدة إلى أين ولصالح مَنْ؟

أحمد شعبان


عادت للظهور من جديد حالة الهجرة وخاصةً لدى الشباب بعد أن كانت بالفترة الأخيرة قد انخفضت وبشكلٍ كبير، ومنهم من عاد للبلاد بعد هجرته بالسابق، والسؤال هنا، لماذا عادت هذه الظاهرة؟ خاصةً في هذه الأيام بل ربما كان المختلف في هذه الهجرة أنها لا تستثني منطقة بعينها بل تشمل كافة المناطق السورية ومن الإنصاف القول بإن هذه المرة كانت الهجرة من مناطق الإدارة الذاتية لها الغلبة والعدد الأكبر.

الملفت بالهجرة أن هناك شيئاً ممنهجاً يُدار من قبل تجار للبشر يساهمون في انتشار تلك الظاهرة تبدأ بمهرب مجهول يقوم بنشر بوستات/ منشورات على مواقع السوشيال الميديا لحمل الناس على الهجرة وإغرائهم بالطلعة (مفهوم يستخدم للإشارة بالهجرة) وتنتهي بشبكة واسعة من المهربين في كل منطقة مروراً إلى تركيا والأفظع من ذلك هو حال الشباب الذين يستدينون مبالغ طائلة لتوفير تكلفة السفر وإعطائها للسماسرة لتسهيل هجرتهم نحو وجهتهم المنشودة.

ومن الجلي أن هنالك العديد من الأسباب الكامنة خلف هذه الظاهرة وتشجع على تكوين العناصر التي تهيئ الأرضية لاستمراريتها ونجاحها أيضاً ومن ثم تترابط مع بعضها البعض لتشكل حلقة واحدة متصلة. تتعدد الأسباب -كما أسلفت- وهي تشير عند الأغلب إلى استنفاذ كافة الفرص في المكوث في بلد يعاني من أزمات معيشية خانقة حيث أثقلت البعض المديونية المالية بينما حال البعض الآخر من لا يجد فرصة عمل على الرغم من امتلاكه للشهادة العلمية فيما حال البعض الآخر لا يجد السيولة المالية الكافية التي تمكنه من إعداد مشروع تجاري أو صناعي خاص وآخر يتبرم من عدم وجود منزل يأويه لأنه يعمل طوال الشهر ولا يستطيع تسديد آجار منزله بسبب استغلال تجار العقار ومالكي العقارات.

ولنتفق أن ما يحدث عبارة عن عقد متعددة أو كما يقال كل الدروب تؤدي إلى روما، أي أقصد أن كل هذه الأزمات التي يعاني منها السوريون إنما سببها انخفاض العملة السورية مقارنةً بالدولار الأمريكي بالإضافة إلى انخفاض أجور العمال ومرتبات الموظفين ناهيك عن قلة فرص العمل وضيق البيئة الاقتصادية والتجارية الجاذبة للاستثمارات في المقابل إذا أخذنا بعين الاعتبار اليد العاملة ذات الخبرة والكفاءة العلمية والقدرات الشابة الهائلة التي تعتبر حافزاً لأي نهضة تنموية، فأن الأمر يضعنا أمام تساؤل غريب، من المسؤول على تدهور الوضع الاجتماعي الذي أدى إلى وجود هذا النوع من الهجرة؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي الحلول لها إذن؟

ما من شك أن ظاهرة الهجرة ليست غريبة عن مجتمعنا السوري وبالأخص في المناطق الشمالية على وجه الخصوص ذلك أن السوريين عرفوا الهجرة منذ سبعينات القرن المنصرم أثر الانقلاب العسكري على السلطة وتراجع الاقتصاد في الثمانينات نتيجة الحرب على جماعة الإخوان المسلمين ثم تردي الوضع الاقتصادي بشكل كامل إثر اعتماد الاقتصاد السوري على فئة الأوليغارشية مما أدى إلى موجة نزوح كبيرة باتجاه لبنان والأردن واليونان وقبرص وبعض دول الخليج آنذاك.

واستدراكاً، فأن الجميع مسؤول عن شيوع ظاهرة الهجرة ابتداءً من الأهل ووصولاً للحكومة والمسؤولين الذين لم يتحركوا حتى الآن للحد منها، وأعتقد أن حل هذه الإشكالية يكمن في التفكير بمسؤولية تجاه الديموغرافية السكانية التي تتخلى يوماً بعد يوم عن الشباب وطاقتهم المتجددة  فيجب على الجميع وكلٌّ من مكانه ومن موقع المسؤولية الأخلاقية والإنسانية أن يقوم -على الأقل- بالتوعية لتلك الظاهرة ومحاولة الحد منها من خلال إظهار خطرها على المجتمع وضرورة إيجاد مشاريع للشباب ومساعدتهم عبر دعم مشاريع مختلفة تبدي قدرتهم على رفد المجتمع بناتج وطني ابتداءً من المشاريع الزراعية ووصولاً للصناعية والتجارية ودعم أصحاب الخبرات ومساعدتهم على تقديم اختراعات متجددة، فضلاً على إنصاف العاملين في كافة القطاعات العامة والخاصة وتحديد قوانين لساعات العمل وتحديد الأجور تماشياً مع القدرة الشرائية عبر توفير السيولة المالية الكافية مما يتيح ضمان حياة كريمة للمواطنين.

وبتكثيف، أعتقد من الضروري إن تشكيل لجنة توكل من مهام هيئة أو إدارة التخطيط والدراسات، معالجة أوضاع الشباب خاصةً فيما يتعلق بموضوع الهجرة واستثمار طاقات الشباب والمبالغ التي تُصرف لتهجيرهم للخارج على مشاريع داخلية تدفع بعجلة الاقتصاد الوطني وإلا سيصيب بنية المجتمع اختلال في التركيبة السكانية وانجراف الفئة الشابة وفقدان الطاقة المتجددة.