سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

المرأة في ملحمة جلجامش

كان للمرأة في المجتمع الطبيعي الزراعيّ وظيفة الإدارة الاقتصاديّة فقد كانت المسؤولة عن اقتصاد الكلان، وكانت تقوم بمهمّة التعليم، ورعاية الأسرة، فقبل خمسة آلاف عام كان هناك توازن ما بين الذكاء العاطفي الممثّل في المرأة والذكاء التحليليّ الممثّل في الرجل، فكلٌّ منهما يقوم بمهمّته الموكلة له، ويتضح لنا في ملحمة جلجامش التحوّل في النظرة للمرأة إثر ظهور الدولة، المرأة المدنيّة في الملحمة لها فن ووظيفة الإغواء، وإبراز المفاتن، إنّها المرأة المدنيّة التي تروّض الوحش المندمج بالطبيعة، وهي صورة منحطة للمرأة التي ثارت عليها المدينة، هي الفتاة التي تبعث على الهيام، فهي التي تجعل أنكيدو شخصاً تنبذه البريّة، وتنكره الحيوانات، وتفرّ منه، فهو الذي تدنّس، بالمرأة المدنّسة،  وهي الزوجة التي تسلّم لجلجامش قبل أن تذهب إلى بيت عريسها، الإلهة عشتار تمثّل المرأة القائدة، وهي سلالة المجتمع الأموميّ، هي التي تروّض السلطة الجلجامشيّة والتهوّر الجلجامشيّ، تحاول دائماً أن تدنو منه لتبعده عن الديكتاتورية والتسلّط، فتعرض على جلجامش أن يتزوجها، لكنّه يرفض قائلاً:
أنتِ قصر يتحطّم في داخله الأبطال
فهو يرفض الانصياع للآلهة عشتار التي تمثّل النظام الأموميّ الطبيعيّ، وربّة المنزل في المجتمع الإداري البعيد عن السلطة قبل أن يسرق الذكر الإدارة ويحوّلها إلى سلطة وتسلّط.
عشتار تمثّل الذكاء العاطفي الذي حاول ترويض الذكاء التحليلي من صولة الابتعاد عن الروح، هي الروح التي تحاول أن تهدّئ من سورة الذكر وعنفوانه، وتجبّره، لذلك كان جلجامش يبتعد عنها، ولم يقبل بها، فهو البطل الذي سيتحطّم عند قصرها، فهو يدرك أنّ جناحه سيقصّ، ولن يعود طائراً يحلّق في سماء الخلود، والجبروت.
بالطبع هناك بعض التناقضات في وصف الشخصيات، من ضمنها عشتار، فعشتار في ملحمة جلجامش هي متسلّطة ومزاجيّة، لكنّها تمثّل القوّة التي ما زالت متحكّمة ببعض زمام الأمور، أي أن المجتمع الزراعي لم يتداعَ بعد، لكنّ الدولة تعلو وتكبر، وأسوارها تعلو يوماً بعد يوم، وهناك بعض التمرّدات على المجتمع الأمومي، كوصف البغي، والفتاة الطائشة، المتهوّرة المزاجيّة، المتمّثلة في عشتار، ويكمن رضوخ الأنثى في أمّ جلجامش؛ الإلهة ننسون.
يوصف خمبابا بالشرّير، مع أنّ مهمّته تكمن في حراسة الغابة (فهو الرجل الذي لم يتمرّد في المرأة بعد)، وهو لا يعتدي إلّا على من يقطع أشجار الأرز، وهو الذي يحافظ على صفو الغابة ويكره أن يكدّرها أحد، وعندما تصارع مع أنكيدو وجلجامش، شلّت حركته واستسلم خمبابا لهما، وأخذ يتضرّع أن يبقيا على حياته، ويأسراه فيكون خادماً لجلجامش، ويجعل الغابة المسحورة وأشجارها ملك يديه، فرقّ قلب جلجامش، وكاد أن يبقي عليه، لكنّ صديقه أنكيدو حرّضه على قتله، فقتلاه، وبالتالي باتت المرأة عرضة للانتهاك.
هنا تكمن صورة الخيانة الإنكيديّة مرّةً أخرى، فهو الذي هرب من الطبيعة ليعود إليها قاتلاً، مدمّراً أعرافها ونواميسها، قد تكون المدنيّة الجلجامشيّة تحاول دائماً القضاء على الطبيعة في صراعها على السلطة، ولئلّا يبقى خمبابا قريباً منه يذكّره دائماً بخيانته، فالخائن الذي خان مرّة، يستطيع أن يعود إلى الخيانة مرّة أخرى، ويمثّل خمبابا حامي نواميس الطبيعة، وإدارة المرأة.