سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

المشرق المتوسطي ما بين ناتويين أطلسي، وعربي

محمد أرسلان (كاتب كردي سوري)

كثر الحديث في المنطقة على أنها تشهد قريباً، وبعد زيارة الرئيس الأمريكي بايدن للمنطقة، عن ولادة جديدة لاتحاد أمني وعسكري، واستخباري ما بين دول عدة، قد تشمل السعودية، والإمارات، والعراق، والأردن، ومصر، بالإضافة إلى إسرائيل، ولربما تتم فتح أبواب هذا الحلف الجديد؛ لضم بعضاً من دول أخرى تتم مناقشة جدوى انضمامها منذ الآن مثل تركيا.
 وأُطلِقَ على هذا الوليد اسم “الناتو العربي”، والذي سيكون من أهم أهدافه الأولية تحجيم دور أذرع إيران في المنطقة، وكذلك إيران بحد ذاتها إن تطلّب الأمر، وذلك وفق رؤيتهم، بأن إيران باتت تشكل خطراً على أمن واستقرار المنطقة، بعد تحكمها بعواصم عربية أربعة، ممتدة من اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، ومحاولتها الوصول للأردن بالوقت نفسه.
هذه بعض المعلومات، التي تسربت في الإعلام، للآن مع إعلانها بشكل علني فقط من قبل الملك عبد الله من الأردن، وتحفظ باقي الدول عن الإفصاح عنها بشكل علني وصريح، ولتبقي وسائل الإعلام التحدث عنها، وتحضير شعوبها لهذا الإعلان، وكانت معلومات أفادت، بأنه تم ربط هذه الدول مع بعضها من خلال منظومة دفاع جوي، تكون مشتركة، ومركزية بالوقت نفسه، تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية، ولربما يكون الأردن، هو مركز هذه المنظومة، كما سيكون مركز تمركز، وتموضع القوات العسكرية التابعة لحلف الناتو العربي، نظراً لموقع الأردن، وحدوده المشتركة مع سوريا، والعراق، والسعودية، وإسرائيل، ومصر، وقربه من لبنان بالوقت نفسه.

ولم تتأخر إيران، وأذرعها في الرد على هذا الحلف الجديد المزمع تشكيله، والتي كانت من لبنان بعقد مؤتمر إسلامي، تحت إشراف حزب الله، وكذلك محاولاته التهديد وإرسال المسيّرات نحو الحدود الشمالية لفلسطين/إسرائيل، وكذلك حاولت الفصائل المدعومة من إيران تهديد المصالح الأمريكية في العراق، وسوريا، فألقت الشرطة التركية على عدد من الإيرانيين، الذين كانوا بصدد محاولة اغتيال، أو قتل عدد من الإسرائيليين هناك، وفق المعلومات التي نشرها الإعلام التركي.
ويحاول الطرفان إرسال عدد من الرسائل للآخر؛ لإظهار تدابير وقوة كلٍ منهما، ولكن تبقى النتيجة هي الأساس في كِلا مواقف الطرفين، ومساعيهما في إفشال ما يخططان له، وهو ما يسعى الناتو العربي لتنفيذه، وتحييد أو تحجيم إيران، وتقليص دورها المتنافي في المنطقة، لإفساح المجال أمام رؤية مشروع آخر للتوسع، وهو المشروع الإبراهيمي، والذي أعتقد أنه الاسم الآخر لمشروع الشرق الأوسط الكبير/الجديد، فتكون ثلاثة مشاريع تتنافس في منطقة مشرق المتوسط، ويحاول كل مشروع أن يتمدد على حساب المشروعين الآخرين.
الأول وهو المشروع الفارسي، الإيراني، الشيعي، الصفوي، كما يريدون تسميته، والثاني هو المشروع العثماني، الذي لا يقل خطورة عن المشروع الأول، والذي يحمل لوائه الرئيس التركي أردوغان، والذي يعمل كل جهده، لتنفيذه إن كان في الشمال السوري والعراق، بالوقت نفسه.
 أما المشروع الثالث؛ فهو المشروع الإبراهيمي، الذي تحمل لواءه إسرائيل، والتي تسعى للانفتاح على الدول العربية؛ لتتصدر الموقف وقيادة المنطقة، بعد وهن وضعف قوة الهيمنة الغربية وخاصة أمريكا.

إلى الآن ثمة محاولات حثيثة لعرقلة، وكبح جماح المشروع الإيراني بتكتل بعض من دول المنطقة برعاية غربية أمريكية/ وهو لربما ما سنعيشه درامياً مقبل الأيام، إن كانت المعلومات المرشحة صحيحة رغم شحتها، ليبقى المشروع العثماني على جدول أعمال دول المنطقة، لعرقلة تنفيذه، والذي إلى الآن لا يتكلم عنه أحد من الدول المفترضة في الناتو العربي، ولربما تكون الاستفادة من تركيا في أوكرانيا، هو من الأسباب التي تخفي هذا الهدف لحين انتهاء الدور المنوط بها، أو أنه ليس من وظيفة الناتو العربي مواجهة تركيا في الوقت الراهن؛ لعدم تشتيت الهدف، أو أن مهمة القضاء أو تحجيم دور تركيا منوط بحلف الناتو بحدِ ذاته.
حلف الناتو الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية كمؤسسة عسكرية، تهدف لحماية مصالح قوى الهيمنة المنتصرة في تلك الحرب من خطر الاتحاد السوفيتي بالدرجة الأولى، والذي وفقه تم اختيار تركيا، وقبولها الانضمام للناتو الأطلسي، لتقوم بهذه المهمة، التي أوكلت إليها، ولتصبح الخندق الأمامي للناتو في مواجهة الاتحاد السوفيتي قبل الانهيار طبعاً.
لكن ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تغيرت وظائف حلف الناتو بعض الشيء من حماية مصالح القوى المنضوية فيه إلى تنفيذ أجندات ومشاريع هذا الحلف، والذي بدا جلياً في العقد الأخير، وما سمي بالربيع العربي، وتدخله المباشر في ليبيا، وقبلها في العراق، والآن الناتو يعمل على درء خطر روسيا/ بوتين عنه، وكذلك تهديد الصين، وربما نجح الناتو في جرّ روسيا للمستنقع الأوكراني نوعاً ما، واستنزافه هناك، وربما في مناطق أخرى أيضاً، خاصة بعد ضم فنلندا والسويد لعضويته في الفترة الأخيرة.
ليكون دور تركيا محورياً في هذا الاستنزاف، وخاصة أن تركيا أرسلت الكثير من الطائرات المسيرة لأوكرانيا، وكذلك بعض المرتزقة من سوريا إلى هناك، حسب ما نشرته وسائل إعلام، أي أن لتركيا دوراً ووظيفة مهمة أخرى، وينبغي تنفيذها، وإلهاء روسيا في ذاك المستنقع، لتلعب أمريكا وحلفاؤها كما يريدون في سوريا والعراق وليبيا.
ومع أن معظم دول الناتو بحدِ ذاتهم ليسوا على توافق تام مع تركيا، من حيث السياسات والرؤى والأساليب، لكن تبقى المصالح هي المحدد في علاقاتهم، ولو كانت على حساب القيم الأوروبية المعروفة، والتي داسوا عليها بكل صلافة، وصفاقة بقبولهم شروط تركيا، في دعم تركيا بكل شيء، والصمت حيال ما تقوم، وبما ستقوم به، تركيا في حربها ضد الكرد، إن كان في تركيا، أوفي العراق، وكذلك سوريا، وربما يتم الاستفادة من تركيا في جرها أيضاً للحرب مع روسيا، ويتم ضرب عصفورين بحجر، كما يُقال في ثقافة السياسة الإنكليزية (ضرب الكلب بالكلب).
وطوال عمر حلف الأطلسي، لم يتضرر منه أحداً أكثر من الشعب الكردي في تركيا، أو الأجزاء الأخرى حيث كان ولا زال الناتو الأطلسي، هو من يدعم، ويغض الطرف والنظر عن وحشية تركيا، واستبدادها وقتلها للكرد طيلة هذه السنوات.
 والناتو الأطلسي هو من أعطى الضوء الأخضر لتركيا؛ لتحتل عدداً من المناطق في شمالي سوريا، وكذلك شمالي العراق، بالإضافة لكل الأعمال الوحشية، التي تقوم بها تركيا على أراضيها في تدمير المدن الكردية، واعتقال الآلاف منهم، وزجهم في السجون، وكل ذلك بضوء أخضر من الناتو الأطلسي، وأكبر عملية قرصنة قام بها الناتو الأطلسي كانت اعتقال القائد عبد الله أوجلان، وتسليمه لتركيا في أواخر تسعينيات القرن المنصرم.
السؤال المطروح الآن، ما الفائدة التي ستجنيها المنطقة من الناتو العربي، رغم أنها لم تستفد مطلقاً من الناتو الأطلسي خلال السبعين سنة، التي تشكل فيها؟ بل على العكس كان الناتو الأطلسي العصا، التي يتم تهديد أي طرف، أو دولة عربية، تريد الخروج عن السرب، أو الطريق المحدد لها مسبقاً، من قِبل قوى الهيمنة العالمية، مع العلم أن الرئيس بايدن صرح، وقال بشكل علني قبل أيام، أن سبب توجهه إلى الشرق الأوسط ليس من أجل “البترول أو الغاز، بل فقط، وفقط من أجل أمن إسرائيل”.
ومن وراء كِلا الناتويين كان، وسيكون العرب، والكرد هم الضحية الأولى والأخيرة لإعادة تشكيل المنطقة من جديد، وفق أجندات ومصالح قوى الهيمنة الرأسمالية الغربية، فهل سيتعظ كِلا الشعبين، ويتحالفان مع بعضهم على الأقل للخروج من هذا الجحيم المنتظر بأقل الخسائر؟ إن هما تحالفا تجاه المشاريع الثلاث المزمع تنفيذها، ليعلنوا عن مشروعهم في بناء شرق أوسط ديمقراطي، يكون بديلاً عن الفارسي، والعثماني، والإبراهيمي المنتظر، شرق أوسط ديمقراطي وفق فلسفة الأمة الديمقراطية البديلة للأمة الدينية المتطرفة، والأمة القومجية العصبوية المنغلقة على الذات، وحتى إعلان الناتو العربي ورؤية أهدافه، حينها سيكون لكل حادث حديث.