سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أنا والمسألة الكردية.. التجليات والانكسارات  ـ6ـ

رجائي فايد_

كنت ما زلت أعيش في نشوة ما تحقق في مؤتمر الحوار العربي الكردي، والذي كنت خلاله عضواً نشطاً سواء في لجنته التحضيرية، أو في حوارات المؤتمر، وأذكر أن المشادة الكلامية التي حدثت، والتي كادت أن تتحول إلي تشابك بالأيدي، كانت بيني وبين رجل استخبارات سوري متقاعد، لذلك كنت أتابع بسعادة ردود الأفعال بشأنه، وأتصور أننا وضعنا أيدينا علي بداية الطريق الصحيح للعلاقات العربية الكردية، لكن في هذا الجو الذي كنت أتصور سماءه صافية لا تعكرها غيوم، إذ ظهرت غيوم كثيفة في المنطقة، حيث هدد النظام التركي، النظام السوري (الأسد الأب)، بأن تركيا لن تظل ساكتة عما يهدد حدودها من قبل حزب العمال الكردستاني، حيث يتمركز مقاتليه ومكاتبه داخل سوريا، وأنها لا بد أن تتخذ إجراءات تؤمن أمنها القومي، حسب بياناتها في ذلك، وعلي الفور كلف (الرئيس مبارك) وزير خارجيته (عمرو موسى) في القيام بجولات مكوكية بين دمشق وأنقرة، لوأد الحريق المتوقع، وكان من المفترض أن تكون جهود القاهرة منحازة للجانب السوري، علي أساس الانحياز للعروبة، في مواجهة الأجنبي، ولكن لم تكن كذلك، كان (عمرو موسى) مجرد رجل إطفاء حريق محتمل ليس إلا، ونحن نقر بمهارة وحرفية دبلوماسية، رجل عريق، في مدرسة الدبلوماسية المصرية العريقة، ولا نقلل من شأنه في هذا المجال، لكن الأصل في العمل الدبلوماسي هي التحرك وفق التوجيه الرئاسي الذي كلف به، وكان ذلك التوجيه وأد هذا الصراع المحتمل، دون التطرق إلي ضمانات مستقبلية، تجهض أي محاولات أخري لنشوء الصراع، وذلك بوضع أسس تضمن وضع آمن مستقر، ضامناً لحقوق الطرفين، مع التقليل من أي خسائر متوقعة علي الطرف السوري بالذات، الذي من المفترض أن أمنه القومي هو من ضمن الاهتمامات المصرية، وكان من الواجب عليه (وهو يعلم ذلك) أن يتفاوض وفق ما تفرضه أسس التفاوض في المنازعات الدولية، التي تقضي باتباع خطوات لا بد منها، وتتلخص تلك الأسس التي لا تخفي علي دبلوماسي مصري مخضرم، فوزير الخارجية المصري ومعه الإيراني (كمال خرازي) بدءا المفاوضات، وأوراقهم مكشوفة، علي عكس أسس عملية التفاوض، كما أن التفاوض يجب أن يكون عادلاً حتى يضمن لنتائجه البقاء ،لذا يجب أن تكون المطالب والمقترحات مشروعة وعادلة في نظر الطرفين، كما يجب أن تشمل أية مفاوضات لحل أي نزاع، من أجل التوصل إلى اتفاق، مجموعة من البدائل والخيارات المتاحة لدي فريق التفاوض، بمعني تجهيز السيناريوهات البديلة، في حالة فشل التوصل إلي حلول في أحد المراحل، لأن نظريات التفاوض لحل النزاعات تقوم علي نظريتين أساسيتين، الأولى كلاسيكية وتقوم علي تحديد طرفي التفاوض الموقف والهدف النهائي من المفاوضات والعمل على تحقيقه، ويمكن أن تقدم تنازلات من الطرفين للوصول إلي صيغة وسطي مرضية، والنظرية الثانية هي نظرية التفاوض المنظم، والتي تهدف إلي مساعدة أطراف التفاوض، على التوصل إلى اتفاق يحقق مصالح مختلف الأطراف بأقصى حد ممكن، وتتميز تلك النظرية في التفاوض وحل النزاعات بأناًها تستغرق وقتاً أقل للوصول إلى حلول، ولا يتم فيها تقديم تنازلات قد تكون مرهقة على أطراف التفاوض، وكل هذا لم يحدث لأن المفاوضان، كانا يتحركان وفق ضوابط رئيسيهما، وكان من الصعوبة عليهما الخروج عنها، لذلك كانت اتفاقية (أضنة)، التي كانت في حقيقتها، انبطاحا سورياً أمام الشراهة التركية التي بلا حدود، والتي نتطرق إلى تلك الاتفاقية في حديثنا المقبل إن شاء الله.