سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الميثولوجيا والأخلاق

صلاح الدين مسلم_

الباحث فراس السوّاح: “الأسطورة حكاية مقدسة، يؤمن أهل الثقافة التي أنتجتها بصحة وصدق أحداثها، فهي، والحالة هذه، سجلٌّ لما حدث في الماضي وأدَّى إلى الأوضاع الحالية والشروط الراهنة، وهذا ما يعقد صلة قوية بين الميثولوجيا والتاريخ، باعتبارهما ناتجان ثقافيان ينشآن عن النوازع والتوجُّهات ذاتها، رغم ما بينهما من اختلافات تجعلهما يبدوان وكأنهما نظامان مستقلان لا يربط بينهما رابط، فالأسطورة والتاريخ ينشآن عن التوق إلى معرفة أصل الحاضر، ولكنهما يفترقان في القيمة التي نسبغها على ذلك الأصل، فهو أصل قدسي عند الأسطورة، وأصل دنيوي مفرغ من الأسْطَرَة عند التاريخ، بتعبير آخر فإن الأسطورة تنظر إلى التاريخ باعتباره تجلياً للمشيئة الإلهية، أما التاريخ فينظر إلى موضوعه باعتباره تجلياً للإرادة الإنسانية في جدليَّتها مع قوانين فاعلة في حياة الإنسان الاجتماعية، وهذا يعني أننا أمام نوعين من التاريخ: تاريخ مقدس وتاريخ دنيوي”.
لقد كان المعبد أساسيّاً في الحياة النيوليتيّة، وتشير المعابد التي اكتشفت مؤخّراً في (كوبكلي تبه) قرب أورفا على وجودها قبل أثني عشر ألف عام، فوجود المعابد والعبادة الطوطميّة دليل على رقيّ الفنّ، حيث بدأ الإنسان باختراع النحت والموسيقا، فـ (كوباكلي تبه) كشفت عن دورِها المحوريِّ والحضاريّ لتطوّر اللغة الرمزية كما أسلفنا، وتعدّ أيضاً مركزاً أساسيّاً لأقدمِ قبيلة ودين في التاريخ، فلا مثال في الأرض على وجود هكذا حضارة ورقيّ على وجه المعمورة.
أي أنّ التطوّر اللغوي كان مرتبطاً بالتطوّر الفنّي وكان مؤدّياً إلى فكرة مهمّة؛ وهي نشوء اللغات وتباينها والاستفادة من بعض، فالكلانات التي تحوّلت إلى قبائل والتي تحوّلت إلى عشائر؛ كانت تعيش فيما بينها بنظام كومينالي عظيم، تترسّخ فيه القيم الأخلاقيّة والحياتيّة اليوميّة وتغدو الذاكرة الحيّة المعطاء لكلّ ما صار يجول في مناحي الحياة مجملها، وكلّ ذلك ولم تكن هناك أسوار وقلاع وجيوش، فإنّ أوّل سور بناه جلجامش كان قبل خمسة آلاف عام، أي كانت في الفترة الممتدة من عشرين ألف عام حتى قبل خمسة آلاف عام أي فترة اللا حروب، وفترة عدم وجود عبيد يبنون هذه الرموز المعماريّة الضخمة التي استفادت من تجارب واختراعات المجتمع الطبيعيّ الذي كان عصر إخاء وحضارة وفن ولغة وعصر الاختراعات العبقريّة الفذّة، وليس عصر الصروح الهائلة الضخمة كالأهرامات التي شُيّدت على أكتاف العبيد الذين تحوّلوا إلى عبيد بعد أنْ خرجت طبقة من المجتمع وسمّت نفسها إلهاً، وباتت تتحكّم بالحياة بكلّ تفاصيلها.
هذه هي الحضارة الحقيقيّة الحضارة الاجتماعيّة وليست حضارة السلطة المتجسّدة في العسكر والقوّة المفرطة والبحث عن الخلود الجلجامشي، فالعبادات الطوطميّة كانت روحيّة صرفة، ولم تكن للبحث عن الخلاص من هذه الدنيا والانتقام من الظالم، إنّها عبادة الروح والبحث عن حالات الفنّ، فالعبادة فنّ جميل وليس طقساً من طقوس تمجيد السلاطين الذين لم يستطيعوا أن يسيطروا على ذهنية الشعب إلا بتخريب الثقافة الإنسانيّة التي كانت عنوان الحياة والجمال الإنسانيّ، وذلك من خلال تشويه الثقافة وتحويلها إلى ثقافة الإله.