سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أنا والمسألة الكرديّة… التجليات والانكسارات ـ4ـ

 رجائي فايد_

اكتشفت خلال تلك المسيّرات مدى صعوبة الهروب منها، خصوصاً في شمس يوليو وأغسطس، ففي الطريق إلى الوصول لساحة التجمع، كان رفاق المسيرة يتكفلون بمنع أي واحد من الهروب، حتى ولو كانوا من أعداء النظام، إذ لابد من إظهار توحدهم مع القيادة وحزب البعث، وعند مقربة من الساحة كان الأشاوس بشواربهم الغليظة، وبأسلحتهم الجاهزة للانطلاق، على كل من تسوّل له نفسه الخروج من هذا المشهد العبثي، ليدخل الجميع إلى المصيدة.
 كان سلوك معظم المنتسبين للمسيرة على الضد من هدفها، إذ كانوا يتجولون في زحام الساحة، ليصافح صديقاً له، وكأنه لم يراه من زمن، ويتبادل معه أي حديث يبعده عن الحماس المفتعل للمسيرة، ويحاول الخطيب (أمين سر حزب البعث في المحافظة) بث روح الحماس المفتقدة في الجماهير، فيطعم خطبته الحماسية الفارغة، بذكر اسم القائد المظفر (تاج عز العراق)، من أجل استجداء التصفيق فلا يلبيها إلا البعض، في حين أن الآخرين في شأن آخر.
وعلمت فيما بعد أن هذه الحالة، كانت تلبيةً لدعوة قيادات الجبل لإفساد الغرض من كافة المسيّرات بشكلٍ سلبي، والحقيقة أنهم حققوا نجاحاً ملفتاً للأنظار في ذلك، لكن توصل أحد القيادات البعثية إلى علاجاً عملياً لتلك الإشكالية، حيث أمر بتجهيز صور القائد (المظفر المنتصر) على لوحات خشبية، وأمر بتسليمها للمتظاهرين وخاصةً الذين يعرف عنهم موقفهم السلبي من النظام، لذلك تم تسليم تلك الصور إليهم بالأمر، وعليهم رفعها بالقوة عالياً، ولا يملكون إلا أن يستسلموا لذلك الأمر المحصن بقوة السلاح، ولا يملكون إلا أن يكتموا ما في قلوبهم من عداء للنظام.
وفى مرة رفض طالب صغير العمر، لا يدري عاقبة فعلته، أن ينفذ الأمر برفع تلك الصورة، وألقاها إلى الأرض (وهي مقدسة)، وكان العقاب السريع على فعلته الشعناء، إذ انطلقت دفعة من بندقية أحد الأشاوس لترديه على الفور قتيلاً (حضرت هذه الواقعة بنفسي، وسؤالي هو هل تذكر قيادات اليوم هذا الشاب وأمثاله الذين قضوا حياتهم قرباناً لحلم الاستقلال؟، في زمن المغارم، حيث أن هؤلاء قادة اليوم ينعمون اليوم في مغانم زماننا الذي فقد هذا الشاب الغض حياته قرباناً لما ينعمون به، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
لقد نجحت قيادات البعث في ضبط إيقاع المسيرة إلى حد ما، ويتنفس الجميع الصعداء بفض التجمع، ويهرولون بعيداً عن المكان وهم يتصببون عرقاً، وحصيلة ما كان من تلك المسيرة والتجمع، إلا مشاهد منتقاة يعرضها التلفاز الحكومي، مؤكدةً على توحد كافة فئات الشعب مع قائده، فالعراق حسب الخطاب الإعلامي لحزب البعث، خيمة واحدة تضم الجميع.
كانت الأغاني الحماسية تختلط بهتافات القطيع المستسلم جبراً، فكل الأغاني تمجد القائد (نحبك والله نحبك، يا صدام نحبك)، وأخذ كلمات الأغنية شاعر كردي لتصبح (صدام زيرا)، ولم ينسَ شاعر تركماني ترك تلك الفرصة، فترجمت كلمات الأغنية إلى (صدام بيزين)، وعلى نفس السياق تم ترجمتها إلى اللغة السريانية (صدام لبى)، وكانت المكافآت السخية حاضرة لكل هؤلاء المبدعين.
ولا أنسى مسيرة نظمت من أجل قصف جزيرة (مجنون) الإيرانية حيث توجد أهم مصافي النفط الإيرانية، وأصبح تاريخ ذلك اليوم عيداً للسلاح الجوي العراقي، كما حوّل القائد تسمية طياري القوة الجوية من نسور إلى صقور الجو.
ومن المشاهد العبثية التي كان يتفنن المنافقون في رسمها، أذكر أن التلفاز العراقي قطع إرساله، لنشاهد امرأة عراقية جميلة تركض في شوارع بغداد لاهثة، وبين يديها ضفائر شعرها التي قصتها إهداء منها إلى نسور (صقور) الجو لأنهم نجحوا في قصف جزيرة مجنون!، ويا له من مشهد عبثي، والأكثر عبثاً هو أن ترى في مشهد المسيرة رجلاً كردياً ربما لا يجيد العربية، ويحمل لوحة كتب عليها (أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة)، ويتصور القادة والمنظّرون أن العراق بذلك أصبح خيمة واحدة!