سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مها كندور.. جماليات المكان في السيرة الذاتية

آراس بيراني_

نص قوافي الأقحوان نموذجاً”
الجزء الأول:
يعد المكان بجغرافيته وتاريخه موضوعاً أساسياً وهاماً لدراسة الأعمال الأدبية، نثراً كانت أم شعراً، ولا يمكن العثور على أي نص أدبي دون ارتكازات مكانية أو زمانية.
ولعل القصيدة الحداثية، التي انفصلت بأشكالها الجديدة من نمطية ذكر الأمكنة وأطلالها والآثار، فقد امتد النص الحداثي نحو المزاوجة بين السيرة الذاتية للشاعر، وسيرة المكان ككائن له طفولة، وذاكرة وخيبات واخفاقات، ومسرات ونجاحات، كما في نص “قوافي الأقحوان” للشاعرة الكردية السورية “مها كندور” حيث النص تعبير وسرد ورؤى، ترسمها الشاعرة بلغة واضحة مختزلة في تناولها لسيرة نهر”جغجغ ” وإن لم تذكره بالاسم، ولكنها تمنحنا مفتاحاً مكانياً، فتعلن حضور مدينتها “قامشلو” فتضيف للنص بعداً، وتعلنه مفتوحاً على قراءات متعددة التأويلات، والمجازات عبر قدرتها وحرصها على رسم دقيق من خلال لغتها الحالمة..
تقول في استهلال نصها الموشوم بـ “قوافل الأقحوان:
“لم أزر البحر مرةً / ولم أرَ الرمال، وهي خجولة يُمازحها الموج/ جيئة وذهاباً / لم أقف على الشاطئ يوماً ذات شروقٍ أو غروب”
تبدأ مقارنة المرئي باللامرئي، فهي لم تر البحر على حقيقته واتساعه، ولم تجد الموج يمسد جسد الشاطئ ورماله الناعمة، في تحديد زمني يمنح المكان المتخيل أبعاده، فتحدد لنا توقيتين على علاقة بالشمس، شروقها وغروبها في إشارة إلى بعدين: بعد زمني يتعلق بحياة تمتلك عنصري الولادة والموت، والبعد الآخر يتعلق برومانسية اللحظة بكل ما تحمله صور الشروق والغروب من تدفقات حسية جمالية عميقة. كحالة أمل ودحض لليأس.
 تسرد بشاعرية آسرة سيرة ذاتية للنهر، لتاريخ بلدها “قامشلو” كحالة رمزية تنطوي على بعد وطني وثيق الارتباط بعنصري التراب والماء، فالنهر مجرى دافق للحياة، وهو الوجود بما يحمله الماء من تجدد واستمرارية للحياة.
“منساباً بكلِ دلال/ يلتف حول خاصرة أرض أبي/ وهو يروي حكايا الكرد المنسية من نصيبين/ إلى قامشلو”
فهي تذكر الأرض كحالة ملكية خاصة بما للخاص من حميمية، والأب له دلالته ليس كأب فيزولوجي، وإنما التأكيد على الوجود التاريخي والأزلي على هذه الأرض، التي يلف خصرها النهر بكل حنان وقسوة، لتنتقل  بسرعة خاطفة الى إنها بلاد الكرد، فالنهر لا يعترف بالحدود و السدود، وإنما هو خيط هارموني، شريان يمنح نسغ الحياة لمدن جميلة، بين الـ “سرخط” والـ “بن خط ” (فوق السكة وتحت السكة) حيث سكة القطار الحدود التي جزأت وطنها على طرفي الحدود، فبات النهر الحبل السري بين نصيبين وقامشلو، يمنحهما عنصر الوحدة والتماسك الجغرافي التاريخي
“كان ينبت حول ضفافه أعشاب ونباتات/ ذات قوام / يحرسون حدوده على امتداد الجريان / كحراسِ قصرٍ مُشيد.”
تعود للماضي تنحت ذاكراتها القريبة، وترسم صوراً شعرية طافحة بالجمال، من نباتات، وقصب وشجر، في صورة شعرية موحية فالنباتات تحرس ضفتي النهر من المتربصين، حراس أشداء، وكأنهم يحرسون أكثر الأماكن أهمية وقداسة… هذه الماضوية ترسم رغم جمالية المشهد صورة مترعة بالوجع والحنين، وربما الكثير من الخيبة والبأس.
يتبع….