سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

بين خيبة الخراب وصخب الوجع ـ2ـ

 آراس بيراني_

نص “لا تهتف إلا لأجلك” للشاعرة زينب رشو نموذجاً
(داخلي ثورة مضت عليها حقبة من الخيبات/ ساحاتها ممتلئة بالخراب/ نصر حافٍ، اعتلى منصة الإعدام في خشوع).
لم يكن لها من ساحة، أو ميدان تتجمهر معلنة الرفض، فكل المحيط ساحة بائسة، متخمة بالضياع، وبالفوضى، وبالخراب، نصر فردي، قادها إلى أن تكون متهمة بالثورجية، فتمضي في حالة تصالح ذاتي مع قناعاتها، تتخذ من فعل الخشوع الديني للرب، كسلطة عليا لمراقبة الأخلاق، والفضيلة، تذهب بقدميها واثقة نحو منصة إعدام فرضها المجتمع، وفرضها الآخر.
من الخشوع كتعبير بانتيوني لاهوتي، إلى الركوع، الذي لا يوازي الخشوع الديني، وإنما سلطة أرضية فرضت الركوع وليس السجود.
(على شباك التذاكر/ وطن وقيود/ حلم يأبى الركوع/ فمن يدفع الثمن؟)
في سوق مفتوحة، سوق رأسمالية لا تقيم وزنا للأخلاق، تحتكم للمال، للبورصة، للأرقام، وازدحامات السوق، وفروقات القيمة بين الجهد والثمن، هناك حيث تكمن فداحة الخسارة، وتحول الإنسان إلى سلعة، عند تخوم هذه القضية الميدانية، تمنح الشاعرة لنفسها قيلولة، ربما كانت استراحة لمحارب قديم، قبل أن يتجهز للمنصة القادمة، منصة لها هيئة قاعة محكمة، محاكمة عقلية روحية، على صفيح ساخن، مزدحم، سريع الإيقاع، دونما قدرة على الاختيار، تختار السلام، ترفع شارة السلام، وتشعر بمزيد من الخيبة…
(غفوة من الخيبة/ أصابع السلام/ شيدت أملاً/ على صفيح ساخن).
تئن القصيدة إلى حد الوجع، إلى النهايات، إلى الفاجعة، تصرخ حروفها، ترفع صوت الحياة، وتعلن بصيغة دينية (الآذان)
حي على الوجع، امنحه بركتك، اجعله شهياً ندياً، اهتف لأجلك… فالوجع رسالة وعبادة، وهو الطريق إلى الإيمان، وإلى السلام (على صوت الحياة/ رفعت أشلاءها/ حي على الوجع)
يموت الجسد، ويتلاشى إلى جزئيات فتتشظّى، تنفخ صوت الحياة عبر ثورة فردية، وترفع شعارها “حي على الوجع”، تجمع روحها المتشظية وتجمع أشلاءها.
تعود إلى إشعال نار ثورتها بهدوء، توقدها من حطب خيبات قديمة، فيعم الدفء والسلام، فتعود الحمائم، وتحط على سفينة الحياة في خاتمة النص، كرمزية متكاملة عن الانتصار لقضايا الإنسان الأزلية، ويستمر الهتاف عالياً، وتحلق أسراب الحمام في فضاءات النص، لترسم لوحة تخيلية لقيم الحق والجمال، والأخلاق في عالم صعب، وزمن رديء للغاية.
(على نار هادئة/ حطت الحمامة أخبارها/ فبوابة الحياة لا تقرع)
تمنحنا الحمامة رسالة، مفادها: أن بوابات الحياة ومدارجها، لا ترتقي إلا بخطوات ثابتة، وتعيدنا إلى بيت شعري لأمير الشعراء أحمد شوقي ” وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق”
فلنقرع بوابات الحياة، حتى تزهر الأرض من جديد، كي يعود حقل الكشمير ندياً عابقاً بالسحر وبالعطر، في محاولة أن يكون للإنسان موطأ قدم في هذا العالم الرحب، في ساحات وميادين، يصرخ: لا للخراب، وحي على الوجع، ولا للخراب.