سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عامل النظافة.. وليس “زبالاً”.. متى ستصبح النظافة ثقافة في مجتمعنا..؟!

دجوار أحمد آغا_

النظافة سلوك حضاري، يقوم على أساس مدى أهمية هذا السلوك في حياة الفرد والمجتمع، ينبع هذا السلوك من الأخلاق التي بنتها المجتمعات على مر العصور، ومن خلال العلاقة الجدلية المرتبطة بين الكائنات الحياة (الإنسان، النبات، الحيوان) والطبيعة المحيطة بهم، أي هي عبارة عن علاقة وئام، ومحبة بين سائر الكائنات الحية بحيث تكون الحياة جميلة وعلى طبيعتها ولا يوجد فيها تصنّع، متروكة على سجيتها الرائعة.
تُعدّ النظافة من أهم الأشياء الأساسية في حياة الإنسان، كونها تعمل على حماية الإنسان من الأمراض وتساعده على التمتّع ببنية جسدية سليمة من خلال النظافة الشخصية، التي هي من واجب الإنسان تجاه نفسه، هذا الواجب ينقسم إلى قسمين: قسم خارجي يهتم بالشكل واللباس والمظهر، بحيث إما يدل على أناقة وترتيب الإنسان وإما العكس، وقسم داخلي وهو الأهم من حيث القيم والمبادئ والأخلاق التي نما عليها الإنسان ومن الواجب عليه الحفاظ عليها وغرسها في نفوس أبنائه لتستمر مسيرة الحضارة الإنسانية، وللنظافة أوجه عدة في حياة الأفراد والمجتمعات على حدٍ سواء، فمن خلال روح الانتماء للمكان وروح التعاون والمساعدة يمكننا أن نكسب هواءً نقياً ومياهاً صالحة للشرب وتربة خصبة للزراعة، وهو ما يؤدي بدوره إلى حياة صحية متكاملة الأوجه، وكذلك وطن جميل ونظيف يدل على نظافة المجتمع القاطن فيه.
غرسُ مفهوم النظافة
الأسرة متمثلة بدور الأم والأب تقوم تربية الأطفال تربية صحيحة وقويمة مبنية على غرس القيم الأخلاقية والمبادئ الأساسية في حياة المجتمعات على مر التاريخ، وزرعها في نفوس هؤلاء الأطفال، ومن أهم هذه القيم هي النظافة وجعلها ثقافة شخصية فردية ومجتمعية على حدٍ سواء لما لها من أهمية في بناء الإنسان القويم والسليم، فكما تقول الحكمة “العقل السليم في الجسم السليم” وهو ما يؤكد أهمية سلامة الجسم، وهذه لا يمكن لنا من أن نتدبرها إلا بالمحافظة على نظافة هذا الجسم، وفي الوقت نفسه لا بدّ للأهل من ممارسة هذه الثقافة عملياً أمام أطفالهم وتنبيههم إلى خطورة عدم الاهتمام بالنظافة سواء في البيت أو خارجه، وسواء الشخصية منها أو العامة، فهي مترابطة عضوياً ولا بدّ من زرع هذه الثقافة في أذهان أطفالنا وكما يقول المثل “العلم في الصغر كالنقش على الحجر” أو “من شبّ على شيء شاب عليه”. إذاً فإن دور الأم والأب جوهري في غرس مفهوم النظافة في أذهان وعقول أطفالهم خاصة عندما يُشاهد الأطفال أهلهم يمارسون ذلك عملياً وهم قدوتهم.
أهمية دور المدرسة
المؤسسة الثانية التي يقع على كاهلها عبء زرع مفهوم النظافة بالشكل الصحيح والسليم في أذهان الأطفال بعد المنزل هي المدرسة، فالمدرسة تأتي بعد أن يكون الطفل قد تعلم ألف باء النظافة من أسرته، وربما في الكثير من الأحيان تكون الأسرة غير مبالية، أو ليس لديها الوقت الكافي للاهتمام بهذه المسألة، هنا تكمن أهمية دور المدرسة والمعلمين كون الأطفال قد خرجوا من أُسرهم إلى مكان جديد، فالمعلمون يصبحون قدوتهم وعند عودتهم من المدرسة، يقلدون معلميهم، ويتحدثون عن تصرفاتهم، ويكونون معجبين بهم كثيراً، من هنا يجب على المدرسة وكادرها التدريسي أن يقوموا بواجباتهم تجاه هؤلاء الأطفال وتجاه مجتمعهم بحيث يتحدثون لهم عن مدى أهمية النظافة في حياة الإنسان وكيف أن النظافة تدل على تفوق الشخص وتألقه وابتعاده عن المرض واجتهاده في دروسه ويصبح مثالاً لزملائه.
الاعتداء على حضارة المنطقة
مجتمعاتنا في الشرق الأوسط، التي تعدّ مهد الحضارات والأديان السماوية، هي التي أنشأت هذه الثقافات والقيم الأخلاقية مثل حب العمل وثقافة النظافة، والاهتمام بالبيئة المحيطة وعدم تدمير الطبيعة بشكل موحش، وغرسها في نفوس أبنائها، لكن القوى الاستعمارية والهيمنة العالمية التي سيطرت على العالم استطاعت أن تنتزع هذه الثقافات الجميلة والمبدعة من أذهان شعوبنا ومجتمعاتنا، وتزرع بدلاً عنها ثقافة الاستهلاك ورمي النفايات وعدم الاهتمام بالنظافة الشخصية وحتى بالبيئة وسعت إلى تدمير البيئة وقطع الأشجار، وتجفيف الأنهار وجعل أوطاننا مكباً لدفن نفاياتها، ذلك كله من أجل تدمير أخلاق هذه الشعوب والمجتمعات تمهداً للسيطرة عليها وتوجيهها لخدمة مصالحة الخاصة بعيداً عن مصلحة شعوب المنطقة.
معرفة تجارب الشعوب
سنأخذ على سبيل المثال تجربة رواندا واليابان، ربما يقول البعض أين رواندا هذا البلد الافريقي الفقير البائس من اليابان المتطور والمتقدم، لنقطع الشك باليقين ونتعرف على روندا.
تقع رواندا شرق أفريقيا، وهي أصغر البلدان الأفريقية، لا يتجاوز عدد سكانها 13 مليون نسمة رواندا عاصمتها كيغالي، وهي بلد فقير نسبياً تعرض للكثير من الدمار والحروب والمجازر، لكن شعبها يتمتع بدرجة عالية من النظافة، التي أصبحت ثقافة عامة لديه، هذه الثقافة (ثقافة النظافة) أصبحت التزاماً أخلاقياً لدى كل مواطن رواندي دونما فرض عقوبات أو قوانين أو غرامات، ويعود ذلك إلى التزام شعبي واسع يحتم على كل مواطن تنظيف بيته ومنطقته ومدينته، وهذا الالتزام نابع من الثقافة وحدها! هناك يوم واحد في الشهر، وهو يوم السبت الأخير حيث تُغلق فيه الشوارع والطرقات كلها، وتتوقف حركة المرور في العاصمة كيغالي وينزل الجميع إلى الشوارع لتنظيفها من أي أوساخ أو نفايات موجودة بدون مقابل بل حباً بجمالية مدينتهم، هذه المبادرة أصبحت ثقافة شعبية عامة وبذلك ودون تدخل من الحكومة أو القانون أصبح الشعب، يقوم بتنظيف شوارع مدنه وبلداته وقراه ما جعل من شعب رواندا نموذجاً يُحتذى به.
نأتي الآن إلى اليابان، جميعكم يعرف اليابان وسمع عنها وعن المآسي التي تعرض لها الشعب الياباني وخاصة مسألة القنبلة الذرية فوق مدينتي “هيروشيما وناغازاكي” خلال الحرب العالمية الثانية (1939 / 1945)، لكن ذلك لم يمنع الشعب الياباني من إعادة بناء وطنه وبسرعة قياسية وأصبح من أكثر دول العالم تطوراً في التكنولوجيا الحديثة، في اليابان يتم تعليم الأطفال منذ نعومة أظافرهم أهمية النظافة بحيث يساهمون في البيت بتنظيفه وغسل أطباق طعامهم وترتيب أسرتهم والحفاظ على نظافة ملابسهم الشخصية بشكل دقيق، وفي المدرسة ولمدة خمس سنوات يتم تربية التلاميذ على تنظيف صفوفهم وباحة المدرسة بشكل يومي، لمدة ساعة في نهاية الحصص الدراسية ما يساعد على نمو الوعي والإدراك لديهم بمدى أهمية النظافة في حياتهم، وهذا ما ظهر جلياً في مونديال (كأس العالم) الأخيرة التي أُقيمت في روسيا الاتحادية حيث قام أعضاء البعثة اليابانية بتنظيف مكان إقامتهم وكذلك فعل المشجعون اليابانيون في مدرجات الملاعب التي حضروا مباريات فريقهم، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على مدى أهمية زرع الاهتمام بالنظافة في نفوس البشر منذ الصغر.
ضرورة الرادع الأخلاقي المجتمعي
بطبيعة الحال لا بدّ من وجود رادع أخلاقي لمنع رمي القمامة في أماكن متفرقة وإنما وضعها في المكان المخصص لها، وهذا الأمر يحتاج بالدرجة الأولى إلى مسألة الوعي بمدى خطورة هذا الأمر، وما ينتج عنه من سلبيات تحدث للفرد وللمجتمع بشكل عام، هذا الأمر يتطلب من الجميع أن يكونوا أصحاب هذه الثقافة (ثقافة النظافة) التي تؤثر بالجميع سواء سلباً أو إيجاباً، ما يسمح للجميع بالتدخل في حال رمى أحد الأشخاص قمامة أو نفاية في الشارع، من حق الجميع التدخل دون الحاجة إلى إخبار الجهات المعنية، فهناك رادع أخلاقي لا يسمح بمثل هذه الممارسات يتمثل برفض المجتمع بمعظمه لمثل هؤلاء الأفراد ونبذهم من بين صفوفه والنظر اليهم باستهزاء وضرورة ردعهم لعدم القيام بمثل هذه الأمور مرة أخرى، هنا علينا قبل كل شيء أن ننشر ثقافة “سلامة المجتمع تكمن في اهتمامه بنظافته والبيئة التي يعيش فيها”.
الاضطرار لسنِّ بعض القوانين
في الكثير من الأحيان يضطر المشرّع إلى سن بعض القوانين التي تلزم الأفراد بحد معين من النشاطات، على سبيل المثال، الكل يعلم أن الصيد في فترة وموسم تزاوج الطيور يؤدي إلى نقص في أعدادها وربما فيما بعد إلى انقراضها، وهو ما يحتم على الفرد عدم الصيد في هذه الفترة من السنة، لكن يبقى هناك البعض من ذوي النفوس الضعيفة ويقومون بالصيد خلال هذه الفترة وهو ما يُسمى بالصيد الجائر، لذا يضطر المشرع إلى إصدار قوانين تمنع هذا النوع من الصيد وتفرض عقوبات رادعة على من يخالف القانون، هذا الأمر سوف يجعل من يرمي بالأوساخ من نافذة سيارته أو من يصطاد في الأوقات الممنوعة أو من يلوث البيئة بإلقاء القمامة في غير الأماكن المخصصة لها، أن يُفكر ملياً قبل الإقدام على ذلك، والسبب هو وجود عقوبات نتيجة لوجود قوانين تنظم هذا الشيء، على الرغم من سعينا الدؤوب من أجل بناء مجتمع أخلاقي بيئي سياسي يتخذ من حرية المرأة أساساً له، لكننا نضطر في بعض الأحيان لسن قوانين لتنظيم وحماية المجتمع نفسه.
مستوى وعي الإنسان
المحافظة على نظافة البيئة التي نعيش فيها وتنظيفها من التلوث، يندرج في إطار ما نستطيع أن نقول عنه “درهم وقاية خير من قنطار علاج” والوقاية هنا تكمن في المحافظة على النظافة، وهذا ما يضع على عاتقنا كأفراد أن نكون قدوة لأطفالنا وأن نغرس فيهم حب الطبيعة، وحب النظافة وزراعة الأشجار والاعتناء بها والاهتمام بالنظافة الشخصية والمنزلية والمدرسة، والحي والمدينة وهو ما يُساعد على بناء روح الانتماء إلى المكان والزمان، وكما يقول المثل “النظافة من الإيمان” يمكننا ذلك من خلال تنمية الوعي لدى أفراد المجتمع كله،  وعلى وجه الخصوص الأطفال الصغار فهم جيل المستقبل وعندما نرى أثر الوعي البيئي عليهم قد ظهر، عندها نستطيع القول: إننا قد جهزنا جيلاً واعياً مؤمناً بقدرته على الحفاظ على سلامته ونظافة وطنه وحماية نفسه وشعبة من الأمراض والأوبئة الخطيرة.
ثقافة “عامل النظافة” بدلاً عن “الزبال”
نشاهد كثيراً ونحن نسير في شوارع مدننا وبلداتنا كيف يقوم أحدهم برمي النفايات من نافذة سيارته في وسط الشارع، منطلقاً من أنه لا يُريد تلويث سيارته بالأوساخ، بينما الشارع لا يهمه إن تلوث، لأنه هناك (زبال) سيقوم بتنظيف الشارع فهذه مهمته!
لكن في حقيقة الأمر هذه الزبالة (النفايات، بقايا الطعام، العلب الفارغة،…) وما إلى ذلك من أوساخ، نحن أصحابها ونحن من عليه تنظيفها ووضعها في الأماكن المخصصة لها، لا أن نرميها في الشوارع والأزقة ونلوث بها بيئتنا ونفسح المجال لانتشار الأمراض والأوبئة، لا بدّ أن نعي أن الذي يقوم بجمع الأوساخ والنفايات، إنما يقوم بعمل مقدّس فهو يُسمى “عامل النظافة” وهو من يحمينا من تكاثر الحشرات وانتقال الأمراض وتلوث الهواء، وتناثر الأوساخ، فهو يستحق التقدير والاحترام كله، وعلينا أن نتعاون معاً ونحترم هذا العامل أن نضع “زبالتنا” في أكياس سوداء وأن نضعها في الأماكن المخصصة لها، ما يُسهل عمل عمال النظافة الأوفياء لسلامة مجتمعاتهم وأوطانهم، ويجب أن يتم تكريمهم كونهم يعملون دونما كلل أو ملل من أجل بقاء مدننا وشوارعنا نظيفة وآمنة وسليمة، وأستغل هذه القراءة اليوم لأقترح على الإدارة الذاتية الديمقراطية،  موضوع تخصيص يوم تحت مسمى “يوم عامل النظافة” تقديراً لدوره في الحفاظ على الوجه الحضاري لمناطقنا، وتذكيراً للمواطنين بضرورة المحافظة على النظافة.
أترك لكم التعليق.