سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ظاهرة إطلاق الرصاص الطائش… ثقافة قاتلة

دجوار أحمد آغا_

مقدمة لا بدّ منها
قبل الخوض في غمار قضية إطلاق الأعيرة النارية الطائشة في الهواء، وسقوط ضحايا أبرياء لا ذنب لهم، علينا أن نعود إلى جذور المسألة، وهي حيازة وامتلاك السلاح بالأساس، فالإنسان هو من أوجد واخترع وصنع السلاح، وكان الهدف منه حماية نفسه من الحيوانات المفترسة والوحوش، وكذلك اصطيادها لتأمين مأكله، لكنه فيما بعد تحول إلى وسيلة للسيطرة، والهجوم على الغير، وفرض الأمور بقوة السلاح، وأضحت مسألة امتلاك، وحيازة السلاح بمختلف أنواعه مصدر قوة وجبروت، خاصة مع ظهور الدولة، التي استندت في بنائها إلى جانب الدهاء والمؤامرات، إلى قوة السلاح، حيث بنت الجيوش والأجهزة الأمنية؛ لحماية نفسها ومصالحها ونظام حكمها.
أسباب إطلاق النار العشوائي 
بالعودة إلى موضوع إطلاق النار بشكل طائش، فهو عادة قديمة بدأت في مجتمعات الشرق الأوسط على وجه الخصوص، للتعبير بشكل حاد عن حالات الفرح، أو الحزن، ولإظهار القوة من جانب من يطلق النار، ويفرض نفسه على بقية المجتمع، فللسلاح سطوة وهيبة ورهبة، حيث كانت –ولازالت إلى يومنا هذا-تُطلق الأعيرة النارية في الأفراح، ولدى عملية الطهور، وكذلك خلال التسريح من الجيش، وأيضاً عند النجاح في الامتحانات، ولدى عودة مفقود أو غائب للديار، هذه الحالات كلها تكتسب أهمية لدى الأسرة، لما لها من فرح وسعادة وبهجة بما جرى، لكنها يمكن أن تتحول في لحظة إلى مأساة وحزن، وجرح لا يندمل لدى الأسرة نفسها، أو أسرة أخرى ليس لها ذنب، وذلك من خلال هذا الرصاص الطائش، الذي يُطلق بغزارة أثناء هذه الاحتفالات، لا يقتصر الأمر على مناسبات الفرح بالزفاف، أو العودة أو النجاح، إنما تتعداها إلى حالات الوفاة والحزن، والاستشهاد وغيرها، وهو ما يُحول الحزن إلى أحزان، ويزيد من المعاناة والألم، لذوي المتوفي أو المستشهد حيث نرى في الكثير من المناسبات الأليمة، يتكرر إطلاق الأعيرة النارية وبكثافة أثناء مراسم دفن المتوفي، أو تشييع جثمان الشهيد، وكأنه بهذه الطلقات يتم الانتقام من العدو الذي استهدفه! علماً أنه في الكثير من الحالات، يكون رفاق الشهيد بحاجة إلى هذه الرصاصات للانتقام لرفيقهم، ولكن كما يُقال بالعامية “فورة دم” يتم إطلاق الرصاصات التي كثيراً ما يسقط بسببها ضحايا أبرياء لا ذنب لهم.
حيازة واستخدام الأسلحة سلاح ذو حدين 
حيازة واستخدام الأسلحة أصبحت من الأشياء الاعتيادية في حياة الناس، رغم قساوتها وعبثها بأمن وأمان الإنسان، وذلك في ظل الحروب والصراعات، التي تشهدها معظم مناطق العامل، وفي ظل غياب الثقة بالأنظمة والحكومات، التي تبني الجيوش، لا لتحمي الشعوب والمجتمعات، بل لتحافظ على سلطتها، وكرسي الحكم، بحيث أصبح اقتناء الشخص للسلاح الفردي عادة ترتبط بالتباهي والمفاخرة. لذا؛ يتوجه أغلب المجتمعات الى التسلح الذاتي، الذي انتشر بشكل كبير في ظل القوانين التي تسمح لمن بلغ الثامنة عشر أن يقتني السلاح شريطة أن يرخصه لدى الجهات المعنية.
إن إطلاق الرصاص العشوائي، يعدّ وباء وآفة خطرة جداً، حيث أن الأعيرة المتطايرة، والمرتدة على الأرض، ربما لا يدرك الكثيرون أن ارتداد الرصاص، يأخذ سرعة الرصاصة وقت الإطلاق، يمكنها من قتل الإنسان، أو إصابته بجروح أو تسبب له عاهة دائمة، ذلك كله اعتقاد من مطلقها أنه يدخل البهجة والفرح إلى النفوس، أو يزيد شعورهم بالفخر والاعتزاز بالذات، والتباهي أمام المجتمع، مع عدم مراعاة القوانين والأنظمة، التي تحظر هذه الأفعال وضاربين بعرض الحائط الشرائع السماوية، وما تحرمه من أفعال تودي إلى التهلكة، وذلك كله على حساب أرواح بريئة، لا ذنب لها سوى أنهم كانوا متواجدين في شرفات أو ساحات منازلهم، أو حتى مرورهم مرور الكرام.
الغاية من امتلاك السلاح 
امتلاك السلاح والتعلم على كيفية استخدامه، واستعماله لهو أمر مهم جداً، لا بل في غاية الأهمية بالنسبة للشعوب، التي تسعى وتعمل من أجل الدفاع عن نفسها، فالحكومات والسلطات تنشئ الجيوش والقوات العسكرية، لتحمي مصالحها وليس لحماية الشعوب كما أسلفنا، ومسألة ضرورة امتلاك السلاح والتدريب على كيفية فكه، وتركيبه واستعماله للدفاع عن النفس، هي مسألة قديمة تعود إلى مئات السنين، لكن الذي يجب علينا أن نخشى عواقبه، هو مسألة أو ظاهرة استخدام السلاح في غير محله، كما أن ظاهرة انتشار السلاح في كل مكان من المجتمع، يدعو الى اعادة التفكير مليا في مسألة منح التراخيص، لأنه من الصعوبة بمكان أن تسيطر على ذلك، ولا بدّ من الحد من هذه الظاهرة، التي استشرت بشكل كبير والتي تحتاج بالإضافة الى اصدار قوانين ُتنظم هذه المسألة للحد منها وإيقاف انتشارها السريع.
نتائج الإطلاق العشوائي
إن عملية إطلاق الرصاص العشوائي بحد ذاتها، تُعدّ جريمة، وقد نتج عنها على مر الزمن سقوط المئات من الضحايا، ما يُسبب آلاماً وأحزاناً كبيرة ومؤلمة للأسر التي يتعرض أفرادها للقتل إثر هذه الرصاصات الطائشة، نأخذ على سبيل المثال لا الحصر قضية وفاة المواطنة سوزان أحمد علي، إثر إصابتها بطلقة طائشة في رقبتها أثناء تواجدها في الحديقة العامة في قامشلو بتاريخ 7 تموز 2021، وذلك على خلفية صدور نتائج امتحانات الثانوية العامة، وإطلاق الرصاص العشوائي دونما مبرر سوى للبرهنة على القوة واظهار الفرحة والسعادة،
يُذكر أن الضحية سوزان علي كانت حامل بجنين في الشهر السادس، وهي من المهجّرين القسريين من عفرين، وقد هجرت مع أُسرتها إلى قامشلو طلباً للأمن والأمان، بعد قيام دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها باحتلال عفرين.
الجهة المسؤولة
تًرى، على من تقع مسؤولية سقوط هؤلاء الضحايا الأبرياء؟ وهل يتم محاسبة مطلقي النار؟ ثم هل فكّر هؤلاء أساساً بما ينتج عن ممارستهم هذهّ! إن المسؤولية الرئيسية في هذه الحالة تقع على عاتق أسرة من يقوم بإطلاق النار، والتي في الكثير من الأحيان تكون مشاركة في ذلك، فإذا منع الأب أو الأم أبناءهم من إطلاق النار، فلن يُصاب أحد بأذى، ولكن كما ذكرنا في الكثير من الأحيان، يقوم الأب أو الأم بإطلاق النار تعبيراً عن فرحتهم بالنجاح، أو الزفاف أو حتى الاستشهاد.
من المهم جداُ أن تتحمل الأسرة بالدرجة الأولى المسؤولية عن نتائج هذه الأفعال الضارة والمسيئة، إلى جانب ذلك هناك مسؤولية أخلاقية وإدارية، تتحملها الإدارة الذاتية كون هذه الأعمال تجري في مناطقها، وهي المسؤولة عن حماية المواطنين، وعدم السماح بإلحاق الأذى بهم، فكيف الأمر بإزهاق الأرواح! لذا، لا بدّ من أن تتحمل الإدارة جزءاً من المسؤولية، ولا ننسى أن العادات والأعراف والتقاليد، التي جعلت من هذه الأمور جزءاً من ثقافة شعوبنا، تقع عليها المسؤولية أيضاً.
ضرورة الضوابط والعقوبات الرادعة
لكي نتمكن من ضبط هذه الظاهرة، فلا بدّ من وجود ضوابط وعقوبات رادعة، بحيث تقف حداً لمنع انتشار هذه الثقافة القاتلة في مجتمعاتنا، والتي تحصد كل عام عشرات ومئات الضحايا ومعظمهم من المدنيين، وذلك لأن مطلق النار، هو الآخر مدني ولم يحظ بتدريب عسكري حول كيفية استخدام السلاح، كما أن الرشقات النارية دائماً ما تطلق من أسطح المنازل، أو بين الأزقة الضيقة المكتظة بالسكان، فضلاً عن غياب قوانين رادعة، وفي حال وجودها فهناك تلكؤ بتنفيذها.
الأمر المثير للدهشة هو عدم الالتزام بالقرارات والقوانين، التي تصدرها الإدارة الذاتية الديمقراطية، في ظل الوضع غير المستقر، الذي تعيشه المنطقة على وقع التهديدات التي تطلقها دولة الاحتلال التركي، باجتياح المنطقة، وكذلك القصف اليومي، الذي يطال مناطق شمال وشرق سوريا، بشكل يومي، ويسقط نتيجته ضحايا أبرياء، لكن ذلك لا ينفي ضرورة التشديد في تطبيق القوانين الناظمة لحمل السلاح، ومنع إطلاق النار بشكل عشوائي وضرورة تطبيق العقوبات الرادعة بحق من يتجاوز ذلك.
أهمية دور الإعلام في التوعية
بطبيعة الحال الإعلام له رسالة هادفة، ومن خلال الوسائل الإعلامية، يمكن أن نحول قضية صغيرة إلى قضية رأي عام، فما لهذه المسألة من أهمية، حتى تصبح قضية رأي عام، ويمكن من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والتلفاز والصحف وغيرها من المواقع الإلكترونية، أن تكون هناك حملة مكثفة من جانب هذه الوسائل الإعلامية، للتوقف على سلبيات هذه الظاهرة المسيئة للشعوب والمجتمعات، وكذلك للتعرف على وقت وزمان استخدام السلاح، وهو يكون عادة في مسألة الدفاع عن النفس لدى التعرض لأي اعتداء. فالتوعية الإعلامية مهمة جداُ، وهي تؤثر تأثيراً كبيراً على نفوس الأفراد
التخلص من الثقافة القاتلة
بالمحصلة نستطيع أن نقول: للتخلص من هذه الظاهرة، التي أصبحت ثقافة سائدة في مجتمعاتنا، وتحصد الكثير من الأرواح البريئة، لا بدّ من تضافر جهود عدة أطراف معاً؛ للسعي والعمل على ضبط هذه الظاهرة السيئة، وإزالتها من ثقافة شعوبنا التي تؤمن بحرية الفرد عندما لا تتعارض مع حرية المجتمع، ولا تسيء إليه، ويجب أن نبدأ من البيت أولاً بحيث يتم زرع كيفية الاحتفال بالأفراح منذ الصغر، لدى الطفل من خلال الغناء، والرقص، والموسيقى، وتبادل الهدايا، وليس إطلاق الرصاص، فإلى جانب المنزل تكون ثقافة المدرسة ذات أهمية كبيرة في هذا الشأن، فالطفل يقتنع بسهولة بما يُقال له في المدرسة من جانب معلميه، لذا لا بدّ من نشر ثقافة السلام والمحبة والاحتفال بطريقة حضارية دونما الحاجة إلى إطلاق الرصاص الذي يؤدي إلى إزهاق أرواح بريئة.
دور المجتمع المدني
لا بدّ من التأكيد على أهمية دور جمعيات ومنظمات المجتمع المدني في مكافحة هذه الظاهرة الخطرة، التي تعكس للأسف صورةً سلبية عن مجتمعنا الواعد، والمؤمن بثقافة الأمة الديمقراطية، التي تدعو إلى المحبة والسلام، ونبذ العنف والكراهية، فلا بدّ لهذه المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني، من نشر الوعي الثقافي من خلال عقد ورشات العمل، وإلقاء المحاضرات التثقيفية عن مخاطر إطلاق الأعيرة النارية، وزيادة الوعي القانوني لدى المجتمع وبيان العقوبات الجزائية نتيجة هذه الأفعال، وتفعيل دور وسائل الإعلام المختلفة، وذلك بنشر مخاطر ومساوئ إطلاق الأعيرة النارية، إضافة إلى أهمية استمرارية عملية الرصد والتوثيق من الجهات المعنية لهذه الحالات ونشرها لتوضيح أثر حملات التوعية والتشريعات القانونية الرادعة في التقليل والحد من هذه الظاهرة.
بهذه الأمور نستطيع أن ننزع هذه الثقافة القاتلة، من عقول وأذهان شعوبنا ونزرع بدلا عنها الحكمة والمعرفة وأن القوة لا تكمن في السلاح بل هي تكمن بالدرجة الأولى في إرادة الإنسان التي لا تُقهر.
نترك لكم التعليق.