سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أردوغان… تدمير بيئة إسطنبول خدمة لمصالحه

دجوار أحمد آغا_

دشّن أردوغان مؤخراً مشروع “قناة إسطنبول” الموازي لمضيق البوسفور، هذا المشروع الذي يبلغ طول القناة فيه 45 كم وعرضها 275 متراً وعمقها 21 متراً وبتكلفة 15 مليار دولار. يُدافع أردوغان عن مشروعه بالقول: “مضيق البوسفور مزدحم للغاية، مما يجبر السفن في بعض الأحيان على الانتظار لأيام كاملة قبل اجتيازه. كما أنه من الصعب عملياً على الآليات البحرية الضخمة عبوره”.
ترى ما هي عواقب هذا المشروع البيئية؟
أولاً ـ سيتم حفر القناة في منطقة غابات تعبرها الينابيع والأنهار مما سيؤدي بالتالي إلى تدمير هذه الغابات وجفاف الينابيع.
ثانياً ـ سوف تؤثر على شبكة المياه التي تزود مدينة إسطنبول وهوما دفع رئيس البلدية الحالي أكرم إمام أوغلو إلى رفض المشروع.
ثالثاً ـ قد تحدث خللاً في التوازن الطبيعي للتيارات والتيارات المعاكسة بين البحر الأسود وبحر مرمرة. ويتوقع بعض المتخصصين أن تشتغل هذه القناة الاصطناعية مثل بالوعة تمتص كل المياه الملوثة في البحر الأسود، وتنتهي في الأخير بالبحر الأبيض المتوسط.
إلى جانب ذلك فقد حذّر العديد من الخبراء وفق وكالة “سبوتنيك” الروسية من أن مشروع قناة إسطنبول من شأنه أن يفقد المدينة مواردها المائية الجوفية والسطحية في حال تم تنفيذه، بالإضافة إلى خطر اختلاط المياه المالحة ببحيرة تيركوس التي تعتبر أهم مصدر مياه عذبة للمدينة وتلبي نحو 20 بالمئة من حاجة سكانها من المياه.
وبهذا الخصوص قال اللواء البحري التركي المتقاعد والخبير البحري علي كوتلوك، للوكالة: “لا توجد أي جدوى أو فائدة اقتصادية لقناة إسطنبول”.
وأردف كوتلوك موضحاً قوله أن “مشروع قناة إسطنبول غير مجدٍ اقتصادياً، بالكاد يمكن للرسوم التي ستدفعها السفن العابرة من قناة إسطنبول خلال فترة تتراوح ما بين 46 و130 عاماً تغطية تكلفة القناة وتمويلها، وبالتالي فالعائدات المالية المتوقع أن تدرها القناة غير واقعية”، لافتاً إلى أن “المشروع لا يستطيع تمويل نفسه وبالتالي ستضطر الحكومة لدفع تكلفته العالية وبالتالي من غير الممكن تمويل القناة عبر رسوم السفن التي ستعبرها”.
كما استهجن الخبير التركي ما ورد في “تقرير الأثر البيئي لقناة إسطنبول الذي تم الإعلان عنه، لجهة ما يدعيه من أن السفن ستخفف الخطر عن المضائق عبر مرورها من القناة، لكن الحقيقة هي أن عدد السفن التي تمر من مضيق البوسفور قد قلَّ بشكلٍ ملحوظ بحدود 17 في المئة خلال السنوات العشر الماضية.
وتابع “عدد السفن العابرة للمضيق سيستمر في التقلص خلال فترة تنفيذ مشروع القناة، وسيستغرق إنشاء القناة عدة سنوات، وهذا يعني تقلص عدد السفن التي سيتم توجيهها للعبور من قناة إسطنبول وبالتالي عدم تمكن القناة من تمويل نفسها ذاتياً وهو ما يبرهن على عدم جدواها اقتصادياً”.
ولفت اللواء كوتلوك إلى أن “حجم قناة إسطنبول لا يسمح بمرور ناقلات النفط والسفن الكبيرة التي تحمل مواداً خطيرة”.
واستطرد قائلاً: “أعلنت الحكومة عن هذا المشروع قبل عشر سنوات إلا أن الشروع بتنفيذه لم يبدأ حتى الآن، ناهيك عن المشاكل التي سيواجهها خلال فترة تنفيذه الطويلة”.
وفيما يخص اتفاقية “مونترو” المتعلقة بنظام المضائق، أكد اللواء البحري التركي أن “اتفاقية مونترو لا تفصل المضائق عن البحر الأسود بل تتناولها معاً، فضلاً عن أن تعبير “المضائق التركية” يشمل مضيقي البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة كما هو متعارف عليه”.
كما أشار إلى أن “مشروع شق قناة إسطنبول لا يخلق ممراً مائياً بديلاً لمضيق البوسفور، وحتى ولو خلق ممراً بديلاً، فالسفن الحربية التابعة لبلدان غير مطلة على البحر الأسود ستخضع لبنود اتفاقية مونترو من حيث وزن الحمولة وفترة البقاء في البحر الأسود بغض النظر عن مسارها، حتى إن عبرت قناة إسطنبول، لذا فقناة إسطنبول لا تلغي اتفاقية مونترو”.
وتابع اللواء كوتلوك: “مونترو اتفاقية دولية متعددة الأطراف، لا يمكن تغييرها أو تعديلها أو إلغائها بطلب أو موقف لأحد الأطراف، وبالتالي القناة لن تؤثر على الاتفاقية إطلاقاً”.
يُذكر أن اتفاقية “مونترو” الموقّعة في 20 تموز 1936 في قصر مونترو بسويسرا، تتعلق بنظام الإبحار في المضايق البحرية التركية (البوسفور والدردنيل)، وينظم عبور السفن الحربية، وهي تمنح تركيا سيطرة كاملة على المضائق وتضمن حرية مرور السفن المدنية في وقت السلم.
كما تسمح الاتفاقية، التي تم تسجيلها في عصبة الأمم في 11 كانون الأول 1936، للسفن التابعة للدول المطلة على البحر الأسود بحرية المرور والوجود في حوض البحر الأسود. أما السفن التابعة لدول خارج حوض البحر الأسود، فيُسمح لها بالوجود لمدة ثلاثة أسابيع فقط.
وتتحمل تركيا المسؤولية المباشرة عن مرور السفن الأجنبية لحوض البحر الأسود.
لكن أردوغان الذي يُصر على إتمام مشاريعه التي يصفها بالجنونية” يزعم أن القناة ستحد من الضغط على مضيق البوسفور وستحول دون وقوع الحوادث فيه. وقد انتقد اتحاد الغرف التركية للمهندسين والمهندسين المعماريين القناة بوصفها كارثة بيئية وحضرية يجب صرف النظر عنها.
وشدد على أن القناة ستدمر مواقع أثرية حول بحيرة كوتشوك شكجمة يعود تاريخها إلى عام 6500 قبل الميلاد وتضم أقدم دليل على وجود الحيثيين في تراقيه. وأضاف أن النظام البيئي للبحيرة والضروري للحيوانات البحرية والطيور المهاجرة سَيُدمر أيضاً.
وحذّر الاتحاد أيضاً من أن القناة ستدمر حوضين يزودان قرابة ثلث إسطنبول بالمياه العذبة، وستزيد ملوحة المياه الجوفية مما سيؤثر على أراض زراعية وصولاً إلى منطقة تراقية المجاورة. وذكر أن مشروع القناة سيزيد أيضاً مستويات الأكسجين في البحر الأسود وسيضر بالحياة البرية. ويعيش نحو 369 ألفاً في المنطقة التي قد تتأثر بالقناة وفقاً لمركز تحليل البيانات التركية، وهو مؤسسة بحثية.
وفي عام 2018 اشترت العائلة المالكة في قطر، أحد أقرب حلفاء تركيا وداعم مالي رئيسي، أكثر من 44 ألف متر مربع على طول مسار القناة المخطط لها. ويمتلك بيرات البيرق، صهر أردوغان، أيضًا أرضًا على طول القناة المقترحة. ومن المتوقع أن تشارك العديد من الشركات التركية القريبة من حزب العدالة والتنمية في البناء، الأمر الذي سيشجع هذه الحكومة على مواصلة استخدام مشاريع البناء الكبيرة لكسب الأصدقاء وملء الخزائن.
وتقول مصادر محلية إن المشروع رفع أسعار الأراضي المحيطة به من جهة وأنه سيتسبب كذلك في زيادة عدد سكان إسطنبول المكتظة بالسكان حيث يفوق عدد سكانها 16 مليون نسمة.
وتجادل الحكومة بأن المشروعات المعلنة ستوفر إيرادات سنوية ضخمة وفرص عمل جديدة لعشرات الآلاف من الأشخاص في سوق العمل، مشيرةً إلى أن توقعاتها لإيرادات قناة إسطنبول تقدر بنحو 8 مليارات دولار سنوياً من رسوم المرور التي تدفعها السفن، لكن كل هذا لا يمنح حكومة أردوغان حرية اعتقال كل من ينذر أو يحذر من مخاطر مشاريعها الاقتصادية لمجرد أنّ تلك التحذيرات لا توافق توجهاتها.
نترك لكم التعليق