سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

جكر خوين.. مدرسة شعرية متميزة

دجوار أحمد آغا_

عادةً ما يبرز بين معظم شعوب العالم شاعر متميز، مبدع، ذو نظرة ثاقبة ورؤية مستقبلية للأحداث وقد ظهر في الكثير من الشعوب هذا الطراز من المبدعين أصحاب النهضة القومية والوطنية فعندما نذكر الشعب الروسي على سبيل المثال يتبادر إلى أذهاننا مباشرة الشاعر الكبير بوشكين وفي إسبانيا لوركا وتشيلي نيرودا وإنكلترا شكسبير والعراق الجواهري …إلخ ونحن الشعب الكردي برز لدينا شعراء عِظام زمن النهضة الأولى منهم أحمدي خاني الذي يُضاهي في ملحمته “مم وزين” ملحمة شكسبير “روميو وجوليت”، إلى جانب فقي طيران وملاي جزيري وغيرهم. في العصر الحديث برز لدينا شاعر عظيم، نابغة، متألق ومبدع في طرح القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية ضمن سياق قصائد شعرية متميزة وأبيات متماسكة وفق شعر التفعيلة عالية المستوى. إنه الشاعر الكبير جكرخوين.
جكرخوين الأب الروحي للشعر الكردي الحديث
ربما إذا سألنا طفلاً كردياً عن الشعر الكردي فسيقول فوراً جكرخوين، فهو دخل كل القلوب وسائر بيوت الكرد دون استئذان من خلال كلماته الصادقة النابعة من القلب. شاعر يعرف كيف يدغدغ المشاعر والعواطف ويُثيرها، يدخل القلوب قبل العقول، كلمات في غاية البساطة والعفوية وفي الوقت نفسه في غاية التعقيد والأهمية، السهل الممتنع.
ولد شيخموس حسن علي في إحدى قرى سهل ماردين تُدعى “هساري” سنة 1903، ومع بدء الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وتحت ضغط الظروف المعيشية الصعبة، اضطرت عائلته إلى التوجه نحو روج آفا حيث استقرت العائلة في مدينة عامودا، بعد وصولهم بفترة قصيرة توفي والداه فتكفل بتربيته ورعايته أخويه آسيا وخليل، تنقل جكرخوين كثيراً بين بلدات وقرى روج آفا إلى أن استقر به المقام في قرية “تل شعير” لمتابعة دراسته الدينية حيث كان يسعى للحصول على الفقه الديني ليصبح فقيهاً. وفي عام 1921 حصل على إجازة في علوم الدين الشرعية من جانب الشيخ فتح الله حيث أصبح يُعرف بلقب “الملا” وهي صفة تطلق على رجل الدين. أصبح بعد حصوله على هذه الإجازة الدينية إمام قرية “حاصدة” في عامودا.
لم يستمر جكرخوين طويلاً في هذه الوظيفة الدينية حيث انتقل من عامودا إلى قامشلو بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1946 وتوجه نحو العمل السياسي متوجهاً نحو الفكر التقدمي الاشتراكي متأثراً بانتصار السوفييت في الحرب وانتشار الفكر الاشتراكي بين الشعوب المضطهدة. انضم بشكل فعلي إلى صفوف الحزب الشيعي السوري سنة 1948 حيث رشحه الحزب ممثلاً له عن محافظة الحسكة لعضوية البرلمان خلال انتخابات عام 1954.
انتقل جكرخوين من التوجه الاشتراكي إلى التوجه القومي الكردي مع بدايات الحركة الوطنية الكردية وترك الحزب الشيوعي سنة 1957 حيث قام برفقة مجموعة من المثقفين الكرد أمثال أوصمان صبري والدكتور نورالدين زازا ورشيد حمو وحميد حاج درويش بتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في روج آفا
تعرض جكرخوين مرات كثيرة للملاحقة والاعتقال من جانب النظام الحاكم في سوريا كان أخرها سنة 1963 من جانب نظام البعث حيث سجن في دمشق وبعد الإفراج عنه قرر ترك سوريا والانتقال إلى باشور/إقليم كردستان/ سنة 1969 حيث شارك في ثورة 11 أيلول 1961 بقيادة الملا مصطفى البرزاني ومن هناك انتقل إلى لبنان التي بقي فيها لغاية دخول الجيش السوري فيها خلال الحرب الأهلية تحت مسمى “قوات الردع العربي” حيث عاد إلى سوريا لكنه لم يستطع البقاء فيها خاصةً مع زيادة الملاحقة الأمنية اضطر إلى ترك الوطن والهجرة إلى أوروبا سنة 1978حيث استقر أخيراً في مملكة السويد التي بقي فيها حتى تاريخ وفاته 22 / تشرين الأول / 1984.
بدأ جكرخوين كتابة الشعر وهو ما يزال في ريعان الصبا حيث سنة 1924 كانت قصائده تتحدث عن معاناة شعبه والآلام التي يعاني منها من جراء الاحتلال وتقسيم وطنه إلى أجزاء، حتى قصائده العاطفية يتغزل بوطنه كردستان ويصفها كفتاة ذات جدائل وضفائر طولية يقصد بها نهري دجلة والفرات إلى جانب بياض صدرها والذي يقصد به جبال كردستان المكسوة بالثلج في معظم أيام السنة.
تأثر جكر خوين كثيراً بالشعر الكردي الكلاسيكي وخاصةً أحمدي خاني وملاي جزيري، لكنه بنى لنفسه مدرسة خاصة في الشعر حيث أصبح من أعظم شعراء الكرد في العصر الحديث بلا منازع. التزم في شعره بشكلٍ كبير بقضايا شعبه وأمته الكردية العريقة خاصةً في ديوانه الثالث وفي قصيدة Kîme Ez  أي “من أنا” والتي جاء الديوان تحت عنوانها حيث يتحدث فيها عن الكرد ويفتخر بأجداده الأبطال.
لعل أهم ما يميز جكرخوين عن غيره من الشعراء الكرد هو أن جميع دواوينه وكتبه كانت باللغة الكردية التي يفتخر بها كثيراً ويعتز بالكتابة بها حتى أنه يذكر في إحدى قصائده:
Keko ziman dirêjim “
Me xeyide ez çi bêjim
Zimanê min û te ye
Nîsk û genim û ce ye
Lê ez jêre gerbêjim”
حيث يتحدث عن اللغة الكردية وكيفية ضرورة تنقيتها من الشوائب. عن ذلك يقول: “لو كتبت بلغة الآخرين فإن لغتي ستضمحل وتموت، أما إذا كتبت بلغتي فإن الآخرين سيحاولون قراءة وكتابة لغتي”.
إلى جانب ذلك كانت قصائد جكرخوين تتحدث عن طبيعة كردستان ويتغنى بجمالها وطبيعتها الخلابة. كما أنه نظم قصائد رائعة وجميلة عن حق الفلاح في الأرض، وحقوق العمال، وكان ذلك نتيجة لمشاهداته ومعاينته المباشرة لأحوال الفقراء والفلاحين، والظلم الذي كان يقع عليهم من الإقطاع والآغوات ورجال الدين الذين كانوا يسيرون في فلكهم. يقول في إحدى قصائده في إشارة إلى بساطة عيش العمال وفقرهم واستغلالهم من قبل الاقطاع والبرجوازيين: “نحن العمال لم نشبع من اللبن والخبز”.
تناول في قصائده إلى جانب قضاياه القومية والوطنية والاجتماعية الكثير من القضايا الأممية والإنسانية منها على سبيل المثال عن (القائد الفيتنامي هوشي منه ومعركة ديان بيان فو وكذلك عن المغني الأفريقي روبسون).
لم يكن جكرخوين مجرد شاعر عملاق، بل كان مفكراً وأديباً مثقفاً ومناضلاً متفانياً في سبيل قضايا شعبه والقضايا الإنسانية، ولذلك نرى إن قصائده انتشرت بشكل واسع ودخلت كل بيت كردي من خلال تلحينها وغنائها من جانب فنانين ومطربين كبار أمثال شفان برور ومحمد شيخو وغيرهم.
توفي الشاعر القدير جكر خوين في الثاني والعشرين من شهر تشرين الأول سنة 1984 في ستوكهولهم عاصمة مملكة السويد ونقل جثمانه إلى مدينة قامشلو حيث شُيّع في موكب مهيب من جانب عشرات الآلاف من الكرد الذين قدموا من سائر أرجاء العالم لتوديع الشاعر الكبير ووري الثرى في باحة منزله الكائن في الحي الغربي بقامشلو.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.