سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

انتحارٌ أم قتلٌ… قضيةُ شابرين تمو أمام المحكمة

روناهي/ قامشلو ـ

تحقيقُ العدالةِ يعنيّ استيفاءُ ما تمَّ التجاوزُ عليه من الحقوقِ، وعندما يكونُ الحقّ الذي تمَّ التجاوزُ عليه هو الحياةُ نفسها، فلا ينبغي التساهلُ في الإجراءاتِ تحت أيّ طائلٍ في معرفةِ الحقيقةِ، واليوم وبعد سنتين ستظهرُ الحقائق في قصة المواطنة شابرين تمو ابنة كركي لكي التي توفيت في ظروفٍ غامضةٍ، لتُوضع أخيراً في عهدةِ محكمة قامشلو، بعد مماطلةٍ وإهمالٍ متعمدٍ من قبل الجهاتِ المعنيةِ في كركي لكي، وإماطةِ اللثامِ عن خفاياها وحيثياتها، وتفصل ما بين القتلِ والانتحارِ.
من الطبيعيّ أنّ تزداد أعدادُ حوادثِ العنفِ وجرائمِ القتلِ عندما تمرُّ المجتمعاتُ بأزماتٍ خانقةٍ متعددةِ السوريات، إذ تتراجعُ آلياتُ الردعِ وضبطِ إيقاع مسيرِ الأفرادِ، وتظهرُ كثيرٌ من السلوكياتِ الشاذةِ الكامنةِ لتكونَ أعمالاً واقعيّة، وعدا ارتكابِ الجرائم تنتشرُ العاداتُ السلبيّة في المجتمع، وهو الواقعُ الذي تعاني منه جلُّ المناطقِ السوريّة، منذ أكثر من عقدٍ من عمر الأزمة السوريّة، إلا أنّنا سنتحدث عن قضية وفاة المواطنة شابرين تمو المعلقة بين ثلاث فرضياتٍ محتملةٍ، وإن بنسبٍ متفاوتةٍ، كنموذجٍ لكثيرٍ من القضايا، لتأكيدِ ضرورةٍ حسم القضايا الجنائيّة بشكلٍ عاجلٍ لما لها من نتائج رادعة، ومصدر راحة للأهالي، وكذلك تأكيد الثقة بالمنظومة القضائيّة.
ذكر تقريرٌ نشرته منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في 13 تموز الماضي، تزايد حالاتِ العنفِ بأنواعه الموجّهِ ضد النساءِ في مناطقِ شمال وشرق سوريا. وتمَّ تسجيلُ ما لا يقلُّ عن 1679 جريمةٍ بحقِّ النساء خلال عام 2020، وبيَّن التقريرُ، أنَّ العنفَ المنزليّ تجاه النساء من قبل الأزواجِ، أو أحد أفراد العائلة، ترك آثاراً مجحفةً ستبقى ملازمةً للعديدِ منهنّ، نفسيّاً وجسديّاً، وقد تصلُ إلى التفكيرِ في الانتحارِ، بالإضافةِ إلى التفكّكِ الأسريّ والطلاقِ، واستندتِ المنظمةُ إلى إحصائيّةٍ صادرة عن “مجلس العدالة الاجتماعية” في شمال وشرق سوريا عن تسجيل 1679 جريمةٍ بحقّ المرأة خلال العام الماضي، منها 476 حالة ضرب وإيذاء، ولفت التقرير إلى أنَّ منظمة “سارة” لمناهضةِ العنفِ ضدَّ المرأة في إقليم الجزيرة، وثقت ما لا يقلّ عن 22 جريمة قتلٍ بحقِّ المرأةِ بالإضافةِ إلى تسع حالات انتحار، وذلك خلال عام 2020 وحتى نهاية آذار 2021.
 كما أشار التقرير إلى أنَّ العنفَ ضدّ المرأة لم يقتصر على شمال وشرق سوريا فحسب، بل امتدّ حتى مناطق مختلفة من “سوريا”، وفي وقتٍ سابقٍ وثقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، العديدَ من حالاتِ العنفِ، والقتلِ ضدّ النساءِ ومنها القتل بداعي “الشرف” في “إدلب”، و”ريف حلب”، و”درعا”، خلال عام 2020.

 

 

 

 

 

 

اعتقدنا أنّها مريضةٌ وحسب
بقيت قضية المواطنة الشابة شابرين تمو ابنة الـ22 ربيعاً من أهالي قرية سيكركا جولي التابعة لكركي لكي، مُعلّقةً منذ سنتين، لم يصدرُ فيها الحكم القطعيّ، والفصلُ الحاسمُ الذي يقطعُ الشكَّ باليقينِ، ما بين تثبيتِ الاتهامِ وإدانةِ الزوجِ بقتلها، فيما يتمُّ تداولُ أنّ تدخلاً من شكلٍ ما قد طرأ على القضيةِ، لصالحِ تبرئةِ الزوجِ. أو تأكيدِ روايةِ انتحارِ شابرين الشابة في مقتبل العمر والأم لطلفين.
وبكلِّ الأحوالِ؛ فإنّ الفرضيتان تتطلبان مزيداً من التفاصيلِ والأدلةِ لتأكيدها، ففي كلتا الحالتين، هناك حادث قتلٍ، إما للنفس أو لشخصٍ آخر، وإنّ كانتِ النتيجة مختلفة فإنّ الدوافعُ لا تختلف كليّاً، في القضايا العائليّة، ومنها تدهورُ الحياةِ الزوجيّةِ واستحكام المشاكلِ واستحالةِ التواصل بين الطرفين. إلا أنّ عائلة شابرين تستبعدُ احتمالَ الانتحارِ وتعتقدُ بأنّ زوجها قد قتلها.
كانت للقصة تفاصيلٌ مخفيةٌ أطلعتنا عليها شقيقتها، فسيناريو الانتحار بعد إنجابها لطفلها الثاني لم يكن مقعناً كفايةً وفق جاء في متنِ التقريرِ الطبيّ “المزور” الذي تداولته الصفحاتُ المحليّة يوم إعلان خبرِ انتحارِ شابرين تمو، وفي رواية شبه موحّدة جاء في معظمِ الصفحاتِ: أنّه “يوم 19/10/ 2019، وحوالي الساعة ١٢ ليلاً أقدمت المواطنة شابرين تمو على الانتحارِ وذكرت أنها متزوجة ولديها طفلان.
اليوم وبعد مرور عامين على وفاةِ شابرين تحدثنا “ريحان تمو” شقيقتها عن تلك الأحداثِ بنبرةٍ حزينةٍ منكسرةٍ مع كلِّ كلمةٍ تنطقها، وتذكر تفاصيلَ ذلك اليوم المأساويّ الذي عاشوه، كما وصفته ريحان، تقول صحيح أنّه كان يوماً كما كلِّ الأيام، ولكنَّ الظلامَ خطف منها شقيقتها التي لا تعرفُ حتى الآن ما هي الأسبابُ التي أدّت إلى وفاتها، وقالت بلوعةٍ: “يوم مقتلها كنا بجانبها، زرناها جميعاً وكانت جداً سعيدةً بطفلها الثاني الذي لم يكملِ الشهرين وفقد أمه، تسامرنا وقتها وتحدثنا طويلاً، وكان الوضعُ طبيعيّاً جداً، وبعد الساعةِ العاشرة تفرقنا، وإذ أتفاجأ بخبرِ مرضها المفاجئ، عندما استدعانا زوجها، كانت أختي كالجثةِ الهامدةِ أمامَ المنزلِ، وكان الظلامُ حالكاً والساعة حوالي الثانية صباحاً، لم نعتقد أنّها متوفيةٌ أبداً، ظننا أنّها في غفوةٍ وستفيقُ بعد أن نسعفها إلى المشفى، ولكن حدثَ ما لا نتوقعه ولا نتمنّى حدوثه، لقد كانت شابرين متوفيةً”.
تقريران متناقضان!
وتكملُ ريحان تفاصيلَ ما حدث في تلك الليلةِ: “كانتِ الصدمةُ قويةً علينا جميعاً، ولم يكن من السهلِ أن نتقبلَ هذا الخبر، فقبل ساعاتٍ كانت جالسةً معنا، والآن يقولون إنّها متوفية، لقد عشنا صدمة كبيرة”، وقال الطبيبُ الشرعيّ إنَّ الوفاةَ حصلت في حوالي الساعة الثانية عشرة صباحاً، إلا أنّ أهلها لم يعلموا بالأمر إلا بعد مرور حوالي ثلاث ساعاتٍ من حدوثِ الجريمةِ.
ويقول التقرير إنّها انتحرت شنقاً حتى الموتِ بسببِ اضطراباتٍ عقليّةٍ ومشاكلَ نفسيّة عانت منها شابرين، ووفق رواية شقيقةِ شابرين؛ فإنّ الطبيبَ الذي كتب التقرير الأول كان قريباً من عم الزوج المتهم، وقد حَّرف التقرير الطبيّ، ولم يُسمح بوجودِ والدِ شابرين وشقيقها أثناء الكشفِ الشرعيّ على الجثة، وتعتقدُ أنّ الطبيبُ الشرعيّ (تيسير مقدسي) زيَّف التقريرَ أُستدعي إلى المحكمة عدة مرات، ولكنه تهرّب من المحكمةِ، وقال إنّه لا يتذكرُ ما كتبه.
بعد مرورِ أسبوعٍ على وفاةِ شابرين تلقت العائلة خبراً أخرجهم من حالةِ الصدمةِ والذهولِ التي عاشوها بسببِ فقدانهم لابنتهم، فعندِ غسل الجثةِ التي أيضاً لم يسمحوا بوجودِ أيّ أحدٍ من ذويها، وأثناء الغسلِ تدفقت دماء شابرين دون توقف، ليطرحَ هذا أسئلة كثيرة لدى ذويها، وليقصدوا الطبيب تيسير مقدسي ويستفسروا عن الجرحِ الذي نزف أثناء الغسل، ولكنه أنكر ذلك، وقال إنّه ليس سببَ الموتِ، ولكن زوجها اعترف أنّه هو من تسببَ بالجرحِ عندما حملها ليخرجها من المنزلِ، رغم أنَّ ثيابها كانت نظيفة تماماً عندما أُسعفت إلى المستشفى، وأثارتِ التناقضاتُ الكثيرةُ التي تكتنفُ الروايةَ، لتبحثَ العائلة عن سببِ الوفاةِ الحقيقيّ، وبعد مرورِ عشرين يوماً من دفنها شُكّلت لجنةُ أطباءٍ شرعيين جديدة لتكشفَ على الجثةِ من جديدٍ، وعند فتحهم للقبرِ كانتِ الصدمةُ أنَّ شعرَ المتوفية تساقط بشكلٍ مبالغٍ فيه، هذا ما جعلهم يكتشفون جرحاً عند البصلة السيسيائيّة طوله 7 سم وعميق جداً، وقد كان هذا الجرحُ سببَ الوفاة، وليس وفقَ سرديّةِ الانتحارِ، وإلى جانبِ هذا، أظهر الكشف الطبيّ الثاني وجودَ كدماتٍ وآثار ضربٍ وخنقٍ متعمدٍ وربطٍ لليدين، وأيضاً كُشف أنّها غُسلت قبل إسعافها إلى المشفى ما يرجّح الاعتقادَ بأنّه كان يُراد إخفاء آثارٍ معينة، وذلك خلال الفترة من ساعةِ وفاتها الثانية عشرة عند منتصف الليل حتى ساعةِ وصول أهلها حوالي الساعة الثانية صباحاً.
بانتظارِ الحكمِ النهائيّ
ماذا حدث، وكيف تعاملتِ الجهاتُ الأمنيّةُ مع القضية في كركي لكي تجيبُ ريحان: “قوى الأمن العام والجريمة أهملوا قضية التحقيق جداً لوجودِ أقارب وأصدقاء القاتل زوج شابرين في النيابةِ العامةِ، هذا ما جعلَ دلائلَ القضيةِ تتلاشى وتُخفى بعض الحقائق، ما دفع أهل المغدورة إلى تحويل القضية إلى محكمةِ قامشلو التي من المرجّحِ أن تقضيَ بحكمٍ في الأيام القادمة على القاتل”، وكان لنا لقاءٌ مع صديقة شابرين المقرّبة منها، والتي حدّثتنا عن نقاءِ وصفاءِ روحها وحبها وتعلقها بالحياة، وأكدت “ديلان محمود حسن” على أنّها كانت محبّة للحياةِ ومعطاءة: “أرفضُ فكرةَ أنّها انتحرت رفضاً قاطعاً، شابرين كانت تعشقُ الحياةَ وتغني بصوتها العذبِ الجميلِ أجمل ألحانِ التفاؤل”.
هذا واختتمت ريحان تمو حديثها قائلة: “نحن بانتظارِ كشفِ الحقيقةِ، وقرارُ المحكمةِ هام جداً لنا، واليوم جرائم القتل التي تحدث باسم الانتحار يجب أن تتوقفَ ويجب أن يُحاسبَ كلُّ فاعلٍ على فعلته، فاليوم شابرين وغداً فتاة أخرى ستلقى حتفها على أيدي ذويها، يجب أن يكونَ صوتُ الحقِّ والعدالة أعلى من كل الأصوات الأخرى”.
بالمجمل؛ فإنّ السرديّةَ المتعلقةَ بوفاة المواطنة شابرين يكتنفها الغموضُ، ما بين فرضياتٍ ثلاثٍ: المرضُ المفاجئ والانتحارُ والقتلُ، ولعله ليس من المتيسر الإعلانُ عنها لدواعٍ تتعلق بمسارِ التحقيقِ، فيما كلّ التفاصيل المتعلقة بها، أضحت في عهدةِ المحكمةِ، والتي ستُصدرُ حكمها فيها وفق الوقائع والتقارير الطبيّة والشهادات وبما يتوافقُ مع المعطياتِ العلميّةِ الرصينةِ وتضع حداً للتكهناتِ.
من المهمِ التوقفُ لدى الإحصائياتِ التي تشيرُ إلى ارتفاعِ معدلِ حوادثِ القتل والانتحارِ في الآونةِ الأخيرةِ، وهو ما يحتاج جهداً مؤسساتيّاً استقصائيّاً لدراسةِ مجملِ الحالاتِ والتركيزُ على أكثرها شيوعاً، واتخاذ ما يلزم من إجراءات عمليّة على مستوى كلِّ المؤسساتِ المجتمعيّةِ. وإذا كان الإجراءُ القضائيّ مهماً، إلا أنّه يلي الحوادث، فيما الأهم اتخاذ التدابير الوقائيّة لمنع وقوعها بالأصل. والتأكيد أنّ الجريمة أو فعل الانتحار قبل أن يكون فعلاً على أرض الواقع، فهو فكرة سلبيّة، ينتج عنها انحرافٌ سلوكيّ، ما يتطلبُ مشروعاً ثقافيّاً متعددَ المستوياتِ لتحسينِ نوعِ التفكيرِ وتصويبِ مساراته، على أنّ سوءِ الأحوالِ المعيشيّةِ ليس مبرراً للجريمةِ، من المهم احتضان الأشخاصِ الذين يعانون من ضغوطٍ نفسيّة قاسيةٍ والتواصلُ معهم لتحسين أوضاعهم بما أمكن لئلا يصلوا إلى الانتحار.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.