سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حرب الشَّعب الثوريَّة… الحلقة الرابعة

دجوار أحمد آغا-

سنتحدث في هذه الحلقة عن نموذج حرب الشَّعب الفييتنامي الثوريّة ضدَّ عِدة احتلالات منها الياباني والفرنسي والأمريكي. ولكن قبل ذلك نود أن نعطيكم لمحة موجزة عن فييتنام والشَّعب الفييتنامي.
التَّعرف على فييتنام
تقع فييتنام في جنوب شرق آسيا في المنطقة المُسماة الهند الصّينية والتي تضم بالإضافة اليها كلاً من كمبوديا ولاوس التي تحدُها من جهة الغرب إضافةً إلى تايلند أمَّا من الشّمال فتحدها الصّين ومن الشَّرق خليج تونكين. تبلغ مساحتها 331,689كم2 وعدد السّكان قرابة 97 مليون نسمة عاصمتها هانوي. تتميز فييتنام بغناها من ناحية الثروات الباطنية الطّبيعية سواءً المعادن كالذهب والفضة والفوسفات والفحم والقصدير والزنك أو المواد الأخرى كالشَّاي والتوابل والحرير. تتألف من 50 مقاطعة وثلاث مدنٍ رئيسية هي هانوي  وهوشي منه (سايغون سابقاً) وهاي فونج . نظام الحكم فيها جمهوري برلماني فيها الجمعية الوطنية التي تتألف من 395 عضواً يتم انتخابهم من كافة فئات وشرائح المجتمع. علمها يتألَّف من خلفية حمراء تدلُّ على الدماء الغزيرة التي اُريقت لتحررها ونجمةٍ صفراء خماسية في الوسط ترمز الى فئات العمال, الفلاحيين, الشّباب, الأكاديميين, الجنود.
 الديانة الرسمية هي البوذية والتي تتجاوز نسبتها 85 بالمئة الى جانب 10 بالمئة المسيحية و 5 بالمئة طوائف أخرى . لُغتها الرسمية هي الفييتنامية والطعام الرئيسي هو الأرز والسّمك. يعتمد الاقتصاد الفيتنامي على الزّراعة بشكلٍ رئيسي وتبلغ نسبة العمالة الزّراعية حوالي 70% من إجمالي القوى المنتجة، هذا لا يعني عدم وجود صناعات فيها لكنَّها صغيرة كمصانع الحديد والصّلب وصناعة الإسمنت والورق والغزل والنسيج, لكن تبقى الصناعة الأساسيّة هي صناعة الأسماك المعلبة بأنواعها المختلفة كالسّردين والروبيان والحبار وغيرها. وفيتنام تُعتبر من الوجهات السِّياحية المفضلة للعديد من السُّياح فقد بلغ عدد زوارها خلال العام الماضي أكثر من  20 مليون وهو ما تسعى الحكومة الفييتنامية الى زيادته خلال هذا العام الحالي.
واقع فييتنام والاحتلال الياباني
كانت فيتنام مُحتلة من قبل القوات اليابانية إبان الحرب العالمية الثانية، وكانت تُسمى بالهند الصِّينية في ذلك الوقت ومع اقتراب نهاية الحرب وهزيمة اليابان عسكرياً بادر الحزب الشِّيوعي الفيتنامي بالاستيلاء على العاصمة هانوي، وإجبار الإمبراطور الفيتنامي على ترك الحكم, هذا الأمر أغرى فرنسا لاستعادة مستعمرة الهند الصّينية التي كانت تابعةً لها في وقتٍ سابق، فحاولت السَّيطرة على البلاد عام 1945 الأمر الذي أشعل الحرب بينها وبين الفيتناميين بقيادة الزعيم “هوشي منه” ولمدة ثماني سنوات وبعدها التزمت الحكومة الفيتنامية الشّمالية باتفاقية السَّلام الموقعة عام 1954م بينما قررت الولايات المتحدة التي كانت تخشى امتداد النفوذ الشِّيوعي في العالم، مساعدة حكومة فيتنام الجنوبية من خلال المساعدات المالية والعسكرية في حين كانت تتلقى حكومة الشَّمال (هانوي) الدَّعم والتدريب العسكري من الاتحاد السّوفيتي والصّين. إنَّ تجربة الحرب الشّعبية الثوريَّة الفيتنامية ذات خصوصية لأنَّها واجهت ثلاث أعداء متمثلين باليابان وفرنسا وأمريكا على التوالي ولعدّة سنوات واستطاعت الانتصار في النهاية رغم الفوارق في الإمكانات بينها وبينهم وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية كأكبر قوة في العالم.
استراتيجية حرب الشَّعب الثوريّة الفييتنامية
شكّل الترابط بين الكفاح المسلح والاستراتيجية السّياسيّة إحدى أهم أُسس التفكير الاستراتيجي للثوار الفيتناميين. وقد تم التعبير عن هذا الترابط بالواقع العملي من خلال نظرية “نقاط الهجوم الثلاثة” ألا وهي: الكفاح السيّاسي – العمل خلف خطوط العدو – الكفاح المسلّح.
الكِفاح المُسلّح
 تطوّر التفكير الاستراتيجي لدى الثوار الفيتناميين خلال الحرب ضدَّ الإمبريالية الفرنسية. وقد تبنى ترو ونغ شينه في هذه الحرب استراتيجية الحرب طويلة الأمد نظراً لعدم تكافؤ القوى والعتاد حيث قسَّم الحرب إلى ثلاثة مراحل وهي:
ـ المرحلة الأولى سنكون فيها ضُعفاء ويكون العدو قوياً وسنتخذ استراتيجية الدفاع في هذه المرحلة ونستخدم أُسلوب حرب الكيريلا والأنصار ضدَّ قوات العدو معتمدين سياسة الكر والفر.
ـ المرحلة الثانية ستكون مرحلة الوصول إلى التوازن الاستراتيجي بحيث نعمل جاهدين في سبيل تفتيت القوى المُعادية وملاحقتها على الدَّوام وإبادة وحداتٍ كاملة منها بهدف شلِّ قُدرتها وزرع الخوف والرُّعب في نفوس عناصرها إلى جانب تعبئة الشَّعب لرفع السّلاح.
ـ المرحلة الثالثة والأخيرة وهي مرحلة الهجوم الاستراتيجي بحيث تكون مرحلة الهجوم المُضاد. ونكون في هذه المرحلة قد ازددنا قوةً وضعف العدو وفقدت قواته معنوياتها وثقتها بنفسها نتيجة الضّربات المؤلمة والموجعة التي تلقتها في المرحلة السَّابقة فتكون في أضعف مراحلها. عندها نبدأ بهجومنا الاستراتيجي الشَّامل بحيث تصبح حرب مواقع وسيطرة على المدن والبلدات وصولاً إلى الانتفاضة الشّعبية العارمة.
أهمية تجربة حرب التَّحرير الفييتنامية
تمثلت عظمة الحرب الشَّعبية الثورية الفيتنامية في عدة اعتبارات:
الاعتبار الأول: إنَّ القوات الأميركية أشعلت النيران في الحقول المزروعة بالخضروات والفاكهة ولم تترك حقلاً إلَّا وأحرقته وهذه الحرائق شملت كافة المرافق الأساسيّة مثل محطات المياه والكهرباء والجسور والصّرف الصّحي والبُنى التحتيّة، ورغم ذلك استمرت الحياة واستمرت المقاومة.
الاعتبار الثاني: إنَّ روح المقاومة لدى الشَّعب الفيتنامي أملت عليه أن يتواكب مع مقاومة جيش الاحتلال من حيث التأقلم مع ظروف المعيشة قدر الإمكان وتحسينها قدر المُستطاع فالحقل المحروق يُعاد زراعته أو يتم البحث عن أرضٍ بديلة تصلُح للزراعة، والمرفق المدمر يُعاد إصلاحه ولو بأبسط الإمكانيات، فقد أصبح يُضرب مثل على الفلاحة الفيتنامية “بأنَّها تحمل الفأس على كتف والبندقية على الكتف الأخرى”.
الاعتبار الثالث: الوعي بأهمية التَّعليم فإذا كانت الحرب ستطول فهل معنى ذلك أن تتوقف الدراسة في المدارس؟ رفض الفيتناميون توقف الدراسة وأوجدوا حلولاً إبداعية لمنع تهدّم المدارس فقد حفروا تحت الأرض وأنشأوا ما يُشبه شعب المدارس ورسموا للمُدرسين وللتلاميذ طريقةَ الوصول إلى هذه الأماكن السِّرية.
بالإضافةِ إلى أنَّهم أنشأوا قرىً تحت الأرض تمتلك جميع البنى التحتيّة اللّازمة والمتوفرة آنذاك (قرية تحت قرية)
كيف انتصر شعب  فييتنام
ولكن أهمُّ اعتبار هو تلك الروح التي سرت في وجدان وعقل الفيتناميين وأمّلت عليهم التشبث بخبرة الشُّعوب في العصور القديمة والحديثة بقيادة الزعيم (هوشي منه) الذي رفع شعار (المقاومة حتى النصر) رغم حشد أمريكا نصف مليون جندي وضابط بهدف احتلال فيتنام وكانت النتيجة إنَّ الشَّعب الفيتنامي قد انتصر حيث بلغ عدد قتلى الاحتلال الأمريكي/ 58/ألف ضابط وجندي، يُضاف إليهم العديد من الأسرى والمفقودين وسُميت الهزيمة آنذاك لدى أمريكا بالعدة الفيتنامية، لم يتأثر الشَّعب الفيتنامي بجرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال الأمريكي من استخدام كميات كبيرة من قنابل النابالم والمواد شديدة الانفجار واستخدام المبيدات الحشرية الكيميائية التي قضت على المحاصيل الزراعية وكانت سبباً بمقتل الآلاف من الضحايا البشرية.
وكان للزعيم (هوشي منه) دور بارز في قيادة الحرب الشَّعبية الثوريّة الفيتنامية رغم إنَّه توفي قبل أن يتحقق حلمه التاريخي بتحرير الجنوب وإقامةِ دولة فيتنام الموحدة.
وللجنرال “فو نجوين جياب” دور هام في قيادة الحرب العسكرية والسياسيّة في فيتنام سواءً في مرحلة الاحتلال الفرنسي أو الأمريكي وباتت خُططه العسكرية منهلاً لجميع الثوريين الأحرار في العالم.
انتصار القوات الثورية في جنوب فيتنام يعود إلى عدّة أسباب رئيسية:
1ـ تحديد الهدف الاستراتيجي للعدو، واكتشاف القوانين التي تحكم تحركاته وقدراته وذلك لوضع هدف الاستراتيجية وطرق القتال.
2ـ الحفاظ على تطوير الموقف الهجومي لدى الثورة وامتلاك وتطوير المبادرة على أرض المعركة وإجبار العدو على القتال وفق خطتها.
3ـ استيعاب العلاقة بين هزيمة قوات العدو بالحفاظ على حقِ الشّعب في السّيادة وتقوية العمل العسكري ودمجه بالنضال السيّاسي والعمل في قوات العدو.
4ـ الزيادة المستمرة للقدرة القتالية والفعالية العملياتية والاستراتيجية والوسائل القتالية في الحرب الشَّعبية.
إنَّ تجربة حرب الشَّعب الثورية الفيتنامية تؤكّد أنَّ تكتيك الكفاح المسلّح ما هو إلّا تعبير عن الاستراتيجية السياسيّة للشعب، وعلى الحزب الثوري أن يستخدمه بالشّكل المناسب لظروفِ البلاد، وأن يجعل من الشّعب شعباً مُحارِباً ثائراً رافضاً للاحتلال والذُّل والمهانة, شعباً متمسكاً بالمقاومة كخيار استراتيجي في مواجهة العدو المُحتل الغاصب. إلى جانب بناءِ هذا المجتمع على القيم والمبادئ الأخلاقية الإنسانيّة بحيث يصنع ويخلُق رأي عام عالمي متعاطف معه ليكون عاملاً مساعداً في التّخلص من الاحتلال وتحرير الوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.