سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حربُ الشعبِ الثوريّة ــ 2ــ

دجوار أحمد آغا-

يزخرُ تاريخُ الشعوبِ بتجاربٍ عديدةٍ للحربِ الشعبيّة، التي استطاعت عبر تجاوزِ منعطفاتِ خطيرة، الانتقالَ من التغييبِ إلى الحضورِ الفاعلِ، ومن مصادرةِ الإرادةِ وحالة المَوَاتِ إلى امتلاكِ ناصيةِ قرارها والانبعاثِ، إلا أنّ ذلك لم يتحقق من فراغٍ، بل بفضلِ قادةٍ أخذوا على عاتقهم مهمةَ التنوير وحققوا شرائط القدوةِ النضاليّةِ والمعرفيّةِ، ليتحوّلَ النضالُ إلى تقاليدٍ مجتمعيّةٍ في الحياةِ اليوميّةِ للمحافظةِ على المكتسباتِ واستمرارِ النهوضِ.
قضايا الشعوب والمجتمعات
تعيشُ الشعوبُ في عصرِ الحداثةِ الرأسماليّةِ جملةً من الأزماتِ والقضايا التي أفرزتها سلطةُ الدولةِ القومويّةِ من عدةِ نواحٍ، بحيث نرى بأنّ الشعوبَ والمجتمعاتِ انشغلت بأزماتٍ معيشيّة بشكلٍ ممنهجٍ من جانبِ السلطاتِ الحاكمةِ التي لا تترك لهذه الشعوبِ مجالاً للتفكيرِ والعملِ من أجلِ تحسينِ واقعها والتطورِ نحو الأفضل.
 تتراكم هذه الأزماتُ الاقتصاديّةُ والاجتماعيّةُ والسياسيّةُ والبيئيّةُ وأخطرها على الإطلاقِ الأخلاقيّة بشكلٍ فظيعٍ ولا مثيلَ له بحيث لا تستطيعُ الشعوبُ الخروجَ من وطأتها، وتدفعُ هذه القضايا والأزماتُ الشعوبَ إلى البحثِ عن حلولٍ مؤقتةٍ لتجاوزِ هذه الأزماتِ والقضايا التي تهددُ لقمةَ عيشها وتجعلها تعيشُ حالةً من العبوديّةِ والتبعيةِ للسلطاتِ الحاكمة، والتي بدورها تكونُ تابعةً وتدورُ في فلكِ قوى الهيمنةِ العالميّة.
هذه الأزمات والقضايا جلبت معها حروباً أسفرت عن دمارٍ هائل في بنيةِ هذه الشعوبِ وتركيبتها النفسيّة، إلى جانبِ حدوثِ مجازرَ وإباداتٍ عرقيّة بحقِّ العديد من الشعوبِ الأصيلةِ في مناطقها ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر: (الأرمن والسريان واليهود والكرد في الشرق الأوسط وكذلك الهنود الحمر في أمريكا). بالإضافة إلى ذلك، استطاعتِ الحداثةُ الرأسماليّةُ في آخر قرنين من عمرِ البشريّةِ إحداثَ شرخٍ واضحٍ بين الشعوب نفسها وخلقِ هوّةٍ واسعةٍ، حيث نرى بأنّها أنتجت شعوباً تعيشُ نوعاً ما حياة متقدمة ومتطورة نسبياً وتتمتعُ بحالةِ من الرفاهيةِ لدرجة ما – طبعاً بعد قرونٍ من القتلِ والدمار فيما بينهم – وعلى الطرف المقابل، هناك شعوبٌ لا زالت تكافحُ وتعملُ من أجل أن تحظى بحياةٍ لائقةٍ وكريمةٍ وتتجاوزُ خطرَ الفقرِ المدقعِ. (شعوبُ أوروبا الغربيّة وأمريكا الشماليّة من حيث الرفاهية والتطور نسبيّاً نموذجاً، وبقيةُ شعوبِ العالمِ على الطرفِ الآخر مع حدوثِ بعضِ الاستثناءاتِ في السنواتِ القليلة الماضية).
حلُّ الشعوبِ لأزماتها وقضاياها
ماذا كان رد الشعوب على هذا الانقسامِ الحاصلِ؟ بطبيعةِ الحالِ فإنَّ شعوبَ أوروبا الغربيّة وأمريكا الشماليّةَ على وجهِ الخصوص كانت قد خاضت تجاربَ حروبٍ شعبيّةٍ ثوريّةٍ في مواجهةِ قوى الهيمنةِ العالميّةِ وقدّمتِ الكثيرَ من التضحياتِ الجِسامِ في سبيلِ الوصول إلى ما هي عليه الآن. وبالتأكيد فإنَّ واقعها الآن أفضل بكثير من واقعِ شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة وحتى شعوب أوروبا الشرقيّة والسببُ في ذلك يعود – وإلى حدٍّ كبيرٍ- للسياسةِ الشعبويّةِ والثورويّةِ التي اتبعتها قوى الهيمنةِ العالميّةِ والحداثةِ الرأسماليّةِ بحيث اشتغلت على مفهوم الليبراليّةِ (حرية الفرد).
أين يكمنُ الحل لهذه المعضلةِ التي تواجهُ الشعوبَ والمجتمعاتِ؟! وكيف يمكن لهذه الشعوبِ والمجتمعاتِ من كسرِ هذا الحاجز وردمِ هذه الهوةِ التي تفصلُ فيما بينها كشعوبٍ تتطلعُ للسلام والعيش المشترك، لمعرفة ذلك نحن بحاجة الى عدة أمور أساسيّة يمكننا تلخيصها بما يلي:
ــ إطارٌ نظريّ وفكريّ قادرٌ على تحليلِ وتفسيرِ الأسبابِ التي أدّت بالمجتمعاتِ والشعوبِ إلى مستوى حادٍّ من الانحطاطِ والتخلفِ الفكريّ والأخلاقيّ، على الرغمِ من وصول هذه الشعوبِ والمجتمعاتِ في مجالاتِ أخرى كالعلومِ والتكنولوجيا إلى مستوىً متطورٍ للغايةِ. كما يجب على هذه النظريةِ أن تكونَ كافيةً للإجابةِ بشكلٍ مقنعٍ وتقدّمَ الحلولَ لقضايا الشعوب والمجتمعات وتنقذها من الكوارثِ المحدقةِ بها.
ــ تدريبُ وتنظيمُ مجموعاتٍ فكريّةٍ منضبطةٍ وملتزمةٍ بالنهجِ الذي يسير وفق النظريّة والفكرِ الحرّ الذي يمثلُ هذه الشعوب ومصالحها، وأن تمتلكَ هذه المجموعات إمكانيّةً مباشرة لتحويل كلَّ ما هو نظريّ وفكريّ وتترجمها إلى أفعالٍ ملموسةٍ على أرضِ الواقع بين الشعب من خلال كوادرها المؤهلين والمدرّبين على ذلك.
ــ إشراكُ الشعوبِ بشكلٍ فعليّ وعمليّ في ممارسةِ الديمقراطيّةِ من خلال مشاركةِ أبنائها في الكفاحِ والنضالِ من أجل القضايا الإنسانيّةِ قبل الدينِ والمعتقدِ والقوميّةِ؛ أي أن يكونَ انتماؤها الأولُ للإنسانيّة، وأن تعشقَ الحريةَ وتسعى من أجلِ الوصولِ إلى الحقيقةِ وتكونَ مستعدةً لتقديمِ التضحياتِ في سبيلِ المجتمعِ الإنسانيّ ككلّ وتؤمنَ بأنَّ عصرنا الحالي هو عصرُ الشعوبِ التوّاقةِ للحريّةِ، والشعوبِ التي تؤمنُ بالديمقراطيةِ وتمارسُها بشكلٍ فعليّ على أرضِ الواقعِ من خلال إدارتها نفسها بنفسها. 
خصائص المناضل الثوريّ
للمناضل الثوريّ دور أساسيّ ورئيسيّ في سير حربِ الشعبِ الثوريّة، فالمناضلُ والمكافحُ الثوريّ يُمثل روحَ الثورةِ وتقعُ المسؤوليّةُ الأولى والأخيرة على عاتقه كونه القدوةَ والطليعةَ في قيادةِ هذه الحرب الشعبيّة. لذا لا بد من توفر بعض الخصائص المهمة فيه وليس كل من ادّعى النضالَ وشارك في الثورة استحقَّ توصيفَ المناضل والثوريّ.
ــ يجب على المناضل الثوريّ بدايةً أن يكونَ مفعماً بالحبِ الشديدِ لوطنه وشعبه وأن يكونَ على استعدادٍ تامٍ للتضحيةِ بنفسه في سبيلِ شعبِه ووطنه.
ــ عليه أن يكون في صف الشعب أي الصف الديمقراطيّ ولا يجوز بأيّ شكلٍ من الأشكالِ أن يقفَ في صفِ الدولةِ أو أن يقولَ بأنّها دولة ديمقراطيّة فالدولةُ والديمقراطيّة خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً.
ــ أمميّ يكافح من أجل الاشتراكيّةِ. يعملُ بالدرجة الأولى من أجلِ وطنه، لكنه لا يبخلُ بالعطاءِ في أيّ مكانٍ آخر يحتاجه وتقديم العشرات من الكوادر لأرواحهم دفاعاً عن لبنان والقضية الفلسطينية في مواجهةِ اجتياحِ بيروت سنة 1982 في مقاومةِ قلعة شقيف خير دليل على ذلك.
ــ غير منكمشٍ، بل يتسم بروحِ المبادرةِ والحماسةِ ذو معنوياتٍ عاليةٍ، ومندفعٌ لتحقيقِ المزيدِ من الانتصاراتِ سواء العسكريّة أو الفكريّة أو المجتمعية من خلال تنظيم المجتمع وتثقيفه.
ــ يجمع بشكلٍ متوازنٍ بين المرونةِ والصلابة. فلا هو لينٌ فيعصر، ولا قاسي فيُكسر”، يبدي المرونة في تعاطيه مع مجتمعه فيتفهم حاجاته، مقابل الصلابة وأحياناً القسوة في مواجهة التحدياتِ والعوائق التي تعترض مسيرة النضال.
ــ يقظٌ وحسّاسٌ ودقيقٌ في حساباته. يهتم بأدقِّ التفاصيلِ الصغيرةِ، ويدركُ بعمقٍ أنّ بعض القضايا إنّما تنشأ من تفاصيل صغيرة تم إهمالها فتراكمت، ولهذا فهو دوماً يقظٌ ومنتبه.
ــ باحثٌ ومدققٌ في التعلمِ. يهتم بالبحثِ والتدقيقِ في مختلفِ جوانبِ الحياة، ويقدر علاقات الارتباط والتأثير المتبادل بينها، ليصل إلى أهدافه ويصنع من لا شيء شيئاً.
ــ مبدع وخلّاق، منعتقٌ من القوالبِ الجامدةِ، ويتميز بروحه التي تحلق في فضاءاتٍ الواسعةِ فهو مبدعٌ، متمردٌ على الدوغمائيات، وصانعٌ للجمال.
لا تتوفر هذه الصفات إلا لدى المناضلين الثوريّين الحقيقيين الذين تخلّصوا من العاداتِ والتقاليدِ البالية وذهنيّةِ العبوديّةِ وتحرروا من فكرِ وفلسفةِ الطبقةِ الحاكمةِ، وتجاوزا أبعاد الأنا الضيقة ليكافحوا من أجلِ المجتمع برمته ويضحوا بأنفسهم في سبيلِ تحريرِ المجتمعِ والشعب من الظلم الذي يعيشونه في ظل التحكمِ الرأسماليّ العالميّ بهم.
أهمية الشخصيات القيادية
 الشخصيات الثوريّة والمناضلة مستعدةٌ على الدوام للوفاء باستحقاق النضالِ والمقاومة في كافةِ مجالاتِ الحياةِ، وجميع الميادين الاجتماعيّة والأخلاقية والسياسيّة والإيكولوجيّة والاقتصاديّة داخل الوطن وخارجه، وهذا يستوجبُ العيش كالرسلِ والحواريين، ويتطلبُ عشقَ الحياةِ الحَّرةِ أو الموتِ دونها، وهنا يتملكهم ذلك الشعورُ العظيمُ بأنّهم امتدادٌ لصراعِ الخير والشر، الصراع بين العبوديّةِ والحرية، وكان ذلك منهج الأنبياء مثل سيدنا ابراهيم وسيدنا موسى، وكاوا الحداد وغاليليو ومارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا والقائد عبد الله أوجلان.
وهذا ما يجعلهم غير عاديين بل يرتقون إلى مستوى العظمةِ بما يناسب عظمة الفكر وروح التغيير ويعيشون تحت مطرقةِ الجديد وسندانِ القديم، في حالةِ من التجددِ المستمرِّ نحو الأفضل وفي حالة صراعٍ مستمرٍّ، إذ يعرفون أنّ الشخصية الساعية إلى تلك الأهدافِ العظيمةِ والنبيلة يجب ألا تكونَ شخصيةً عاديةً.
هذه الشخصيات التي تقودُ المجتمعَ هي شخصيات مميزة بشكلٍ عام وتظهر ضمن حقيقة مجتمعٍ معين حيث تُمارس الكفاح والنضال بشكلٍ عمليّ من خلال قيادة ذلك المجتمع، وعلى الرغم من تحركها باسم مجتمع معين إلا إنها تمثل الإنسانيّة جمعاء وحلولها لا ترتبط بمجتمع أو أمة أو شعب معين بل تعدادها لتصل إلى مستوى الإنسانيّة قاطبة.
شخصيات تغيّر وجه التاريخ
من هذا المنطلق فإنَّ هذه الشخصيات لها صفةٌ عالميّةٌ وليست محليّة فقط، وربما ما يميز هؤلاء القادة هو قدرتهم الهائلة عل تغيير ذهنيّة المجتمعات وتحفيزهم على القيام بالثورة، وبذل الغالي والنفيس من أجل الحرية والتغيير كما إنها تمتلك القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في الزمان والمكان المناسبين، وتشكل تجسيداً للماضي والحاضر والمستقبل على الصعيد الفكريّ والمعاشيّ في آن معاً، فاهمة للماضي شاهدةً للحاضرِ صانعة للمستقبل من خلال إنتاج القادة.
القائدُ هو الشخصُ الذي يظهرُ في مرحلةٍ تاريخيّةٍ صعبةٍ متأزمة وينهض بأعباءِ المسؤوليّةِ، والقيادة هي وعي وإدراكٌ لكلِّ حدثٍ وتطورٍ اجتماعيّ وتاريخيّ. والشعوبُ والمجتمعاتُ التي لا تستطيعُ إبرازَ قيادةٍ حكيمةٍ من بين صفوفها، ولا تستطيعُ الاستمرارَ في التطورِ ولن تصلَ إلى النتائجِ المرجوةِ، فانتصارُ المجتمعاتِ بحاجةٍ إلى مثل هذه القيادة وعدم وجودها هو السببُ الذي يعرقلُ تطورها وانتصارها. لذا فإن وجود قيادة تدافع عن القضية التي تنتظر الحلول وتعبر عن مصالح الشعب وتطلعاته وتكسب صفة عامة، هي فرصة تاريخيّة ثمينة للشعوبِ.
لم يتوقفِ المجتمعُ البشريّ في يوم من الأيام عن خلقِ تلك الشخصياتِ العظيمةِ الثوريّةِ والفلاسفة والمفكّرين والمناضلين في سبيلِ كشف الحقيقة وإظهارِ الحق عبر الكم الهائل من الأفكار والكتب والرؤى، فقد خرج من صفوف المجتمعاتِ المسحوقة تحت عجلةِ الرأسماليّة التي لا ترحم، شخصيات إنسانيّة متمردة على الواقع المتأزم والذين سبقوا عصرهم بمئات السنين.
إنَّ ظهور تلك الشخصياتِ التي أوجدت ذهنيّةَ النضالِ والمقاومةِ ضدَّ الظلمِ والاستعبادِ على مرِّ التاريخِ حتى يومنا هذا شكّلت خطوةً هامةً وكبيرةً في مسيرةِ الإنسانيّةِ ونضالها ضدّ الطغيانِ والظلم، فمعظم هؤلاء العظماء قُتلوا وحُرقوا وصُلبوا وسجنوا لكن أفكارهم وفلسفتهم لم تُقتل، وظلَّ صدى أصواتهم كابوساً يهزُّ عروشَ السلطةِ من كونفوشيوس وبوذا إلى زرادشت وسقراط وصولاً إلى سبارتاكوس ومنصور الحلاج وأوجلان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.