سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ثورة روج آفا… المعايير والمنطلقات

رامان آزاد-

يمكنُ تعريفُ ثورة روج آفا بأنّها ثورة كرد سوريا بمعاييرَ عصريّة، ثورة مجتمعيّة أصيلة بأبعادٍ وطنيّةٍ بامتيازٍ، وآفاق إنسانيّة، فلم تنغلق على ذاتها ولم تأسرها النزعة القومويّة، واستمدت قوتها من مناهلِ الفكر الديمقراطيّ، لتكونَ رائدةَ التغييرِ، ولترسم معالم مستقبل أفضل لسوريا ديمقراطيّة تعدديّة، وتكون دعوةً مفتوحةً للحوارِ الوطنيّ، والبندقيةَ المصوّبة إلى الإرهاب.
التعريف العام للثورة أنها مخاضُ التغيير، وحالة انقلابٍ أو رفضٌ عمليّ لواقعٍ غير مقبولٍ، أيّاً كان شكلُه، فقد يكون احتلالاً أجنبيّاً أو نظاماً استبداديّاً أو واقعاً متخلفاً وجهلاً، وبذلك لا تنحصر الثورةُ بالسعي لإسقاطِ أو تغييرِ نظامٍ سياسيّ أو تبديل الشخصيات، بل مرحلة تحوّلٍ مفصليّة، تضعُ حداً لاستمرار الماضي بكلِّ تبعاته، وتُباشرُ مرحلةً كلُّ ما فيها جديد، إذ لا يمكن أن تعيشَ الثورة وتحملَ في أعماقكَ الولاءَ للماضي، بل تتطلعُ بثقةٍ إلى الحاضر وتستشرف آفاق مستقبلٍ أفضل، ليتحقق التغييرُ المطلوبُ في جوانبِ الحياة.
الإنسانُ أداةُ الثورة وهدفُها
الثورةُ لا تقبلُ الاجتزاءَ أو أنصاف الحلول، فتطالُ جانباً من الحياة وتتجاهل آخر، تستجيبُ لمطالبِ فئةٍ وتتعامى عن أخرى، وعندما تكونُ الثورةُ على الاستبدادِ والشموليّةِ فيجبُ التخلّصُ من العواملِ المعيقة كالخوف والتردد وكلّ ما يمنعُ تحقّقَ الشخصيّة الثوريّة وإظهارَ سِماتها النضاليّةِ، التي تتحلّى بالشجاعةِ والإقدامِ وحُسنِ المبادرة والثقةِ بالذاتِ والصدقِ ومطابقةِ العملِ بالشعارِ المطروحِ، لتكونَ القدوةَ القادرةَ على قيادةِ الجماهير والمستعدّة لافتداء غاياتِ الثورةِ النبيلةِ، وبذلك فالثورة بالمحصلة يجب أن تفجّرَ الطاقاتِ الكامنةِ والقدرات التي طالها القمع فتمَّ كبتُها، وتخلقَ بيئةً جديدةً ينمو في ربوعها الخيرِ ويتفجّرُ الإبداع، لأنّ منطلقَ الثورة سيكون من أعمقِ ما لدى الإنسان وأعزِّ مشاعره وأنبل الأحاسيس، وليكون الإنسانُ نفسَه، بعد الإقصاء والانكفاء.
سقطتِ الثورةَ السوريّةَ رغم حيازتها عوامل الشرعيّة والأسباب الموضوعيّة والذاتيّة، بسبب عدم بناءِ الشخصيّة الثوريّة المؤمنة بالتغيير، فالإنسانُ هو أداةُ الثورة وهدفُها. وبقي الحِراكُ أسيرَ التناقضاتِ، وضاعتِ البوصلةُ لتكونَ السلطةُ هدفها بدلَ الوطنِ والمواطن، ولم تستند لنظريّةٍ ثوريّةٍ واضحة الأهداف وآلياتِ التغيير، وغابتِ الرؤيةُ الاستراتيجيّة، وقصرت عن فهمِ علاقاتِ النظامِ وتحالفاته، ولم تكنِ المعارضةُ منسجمة مع نفسها، وكانوا أفراداً من خلفيات مختلفةٍ لدرجةِ التناقض، تجمعهم عوامل الحقد والكراهيّة والرغبة بالانتقام والتنافس على السلطة، فالبعض مثّل نموذجَ المعارضةِ التقليديّةِ بخلفيّة دينيّة كالإخوان المسلمين فقدّموا مصالحهم على ولائهم للوطن، ومنحهم وجودهم خارج البلاد مرونة الحركةِ وتماهوا مع توجّهاتِ حكومةِ العدالة والتنمية، واحتكروا مفاصل المعارضة وقرارتها، ما أدّى لإقصاء القوى الديمقراطيّة. وبقي الحراك أسير الشارع ولم يرتقِ للمأسسة، وتدحرج مبكراً إلى العسكرة، واقتُحمت المدنُ والأريافُ عنوةً وتحوّلت لميادين صراعٍ مسلحٍ، وتسببت تلك الخطيئة بكارثةٍ إنسانيّةٍ وأورثت تبعاتٍ خطيرة أفقدتِ الثورة حاضنتها الشعبيّة.
كثيرٌ من شخصياتِ المعارضة صُنعوا إعلاميّاً ليظهروا على الشاشات ويتحدثوا عن الفساد الإداريّ مستندين لروايات وتجاربَ شخصيّة افتقدت للحسِّ الوطنيّ، واستُخدمت لغةٌ طائفيّةٌ فئويّة، اختزلت الجماهير والأفكار، وفي مسعى لتجييشِ المشاعرِ وتأليبِ الناس وتحفيزهم للخروج للتظاهر والصراخ في الشوارع.
عجزت المعارضة عن صياغةِ نظريّتها الثوريّة وقراءةِ بنيةِ النظامِ العالميّ وعلاقاته وطبيعة تحالفاته والعمل بواقعيّة. وضمت إلى صفوفها شخصيات علمانيّة تائهة في أوروبا، وآخرين تمّ إغراؤهم، وظهرت شخصياتٌ مشكوكٌ بوطنيّتها ممن انقلبت على النظام فجأة كانوا متورطين بالفساد، إذ أرادوا حجز مكانٍ في مركبٍ النجاةِ بعد غرقِ سفينةِ النظامِ، وأخيراً نمطاً أرادته الدول الإقليميّة والعربيّة أن يكون ممثلها داخل جسد المعارضة، إذ تربطه بهم علاقاتٌ خاصّةٌ، وتمَّ إقصاء الكوادر والشخصيات الوطنيّة المعروفة.
الأغرب من كلّ ذلك أنّهم طالبوا بإسقاط النظام دون تصوّرٍ للبديل، ولا حتى تبني آليات التغيير، فكلّ القضايا بما فيها المسائل المعيشيّة اليوميّة مؤجلة بانتظار إسقاط النظام، ولم تهتم الثورة لقطع الطرقات والأزمات الخانقة جرّاء تعطيل الحياة، وكانت مستعدة منذ البداية للتعاون مع جهات الدنيا الأربع واستقدام المرتزقة في سبيل تحقيق هدف إسقاط النظام، وبذلك ناصبت العداء لأطياف السوريين الذين لم يُستدرجوا إلى العسكرة، لا بل إنّ الاستهداف المسلّح لمناطق سوريّة وبعض الشعوب كان هدفاً أساسيّاً، فالثورة التي وقعت أسيرة سلطان العثمانيّة الجديد لم يسعها أن تفهمَ أنّ إسقاط النظام لا يمرُّ عبر الكرد والهجوم على مناطقهم.
وعي الثورة أساسُ نجاحها
وعي الثورة أهم عوامل نجاحها، باعتباره المعوّل لتصحيحِ مسارِ الثورة من الشططِ إذا انحرفت عن أهدافها، وهو ما يحفظها من التخبّط، ويضمن عدم انقلابها على نفسها، ولأنّ المرحلة المعاشة خلال الثورة هي مخاضُ التغييرِ، وهي على درجةٍ كبيرة من الحساسيّة، فقد تقعُ أخطاءٌ في سياق إحداثِ التغيير، ولا يمكنُ بدون الوعي ضبط إيقاع الثورة وعدم ارتهانها لقوى خارجيّة. فالعالمُ لا يغفل عن الثورة، وهو إن كان يقيم علاقات جيدة مع النظام السابق، يبادر عندما يرى أنّه يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الثورة، للترحيب بالثورة والإقرار بها رغبة في استمالتها واستيعابها، إذ يخشى على مصالحه عندما يصبح النظام العام في البلد في عهدة أيدٍ وطنيّة.
من أولى أخطاء الثورة السوريّة أنّها لم تستند إلى وعي كافٍ يراعي الخصوصيّة السوريّة حيث تعددُ الشعوب واختلاف التاريخ وطبيعة التحالفات والعلاقات السياسيّة، فتمّ استنساخُ التجربةِ التونسيّةِ أو المصريّةِ، وكان واضحاً للعيان منذ البداية صعوبةُ المطابقة، فالبوعزيزي السوريّ كان باهتاً ولم يكن هناك ميدانُ تحريرٍ في سوريا، وربما لا يدرك “ثوار سوريا” أنّ من أسقط زين العابدين ومبارك لم يكن الحراك الشعبيّ، بل رفعُ الغطاءِ الأمريكيّ عنهما، وهذا عاملٌ غير متوفرٍ في الحالةِ السوريّة، وتجاهلت الثورةُ السوريّة طبيعةَ النظام السياسيّ في سوريا الذي يعتمد بدائل أخرى في تحالفاته، ولم تدرك أنّ أصدقاء النظام لن يتخلوا عنه. ومن الطبيعيّ أنّ ثورةً لا تدرك على من انقلبت أن تصبح ألعوبة بيد قوى إقليميّة، فتلاعبت بشخصياتها، فاستهلكت الثورة شعاراتِها سريعاً، وتحوّلت البلاد إلى ساحاتِ حربٍ مفتوحة على ذمةِ أجندات أُقحمت قسراً بالميدان السوريّ، وتحوّلت إلى معاول تهدِم بنيان المجتمع وتحيله خراباً، ولكنّ البعض ظلَّ يعاند متمسكاً باسم الثورة.
الوعي المجتمعيّ الذي تنجم عنه ظاهرة خروجُ الشعب إلى الساحات لتحقيق غاية مباشرة هي “التغيير” يُعتبر فعلاً ثوريّاً بكلِّ ما للكلمة من معنى، وذلك لأنّ الشعبَ كان الغائب الأكبر والأساسيّ في الفعل السياسيّ السوريّ العام، ولطالما اتّصف المجتمع السوريّ بالمجتمع المدنيّ الغائب والمغيّب. وبالعودة إلى التاريخ السوريّ الحديث ما بعد الحقبة العثمانيّة حيث ظهرت بوادر ودلالات الفعل الثوريّ قبل الانتفاضة الجمعيّة السوريّة على شكلِ انقلاباتٍ عسكريّةٍ فئويّة تنافست على السلطة بعد جلاء الاستعمار الفرنسيّ، ووقتها لم يكن الشعب السوريّ حاضراً للمشاركة في الفعل الثوريّ، بل كان حضوره رمزيّاً وإجماليّاً أكثر منه حضوراً حقيقيّاً وفاعلاً، وهذا يعيدنا إلى التساؤل عن طبيعة التحرّر الذي ناله الشعب السوريّ وشعوب الشرق الأوسط خلال تلك المرحلة.
وطنيّة الثورة في منطلقها وغايتها
الثورةَ في أحد أهم معانيها تجسيدٌ للخيارٍ بين ذهنيّتين، ومعيار صحّة الخيار هو الوطنيّة، فإمّا إرادةُ تجسيدِ الهوية والذات أو الانقلاب عليها، وبالتالي فإنّ تصنيفَ كلّ حالات التموضع واختلاف المسميات تُشتقُ اعتباراً من الخيار، ووحده المنطلقُ الوطنيّ لا يحتاج تجميلاً وتبريراً إذ يستمدُ شرعيّته من أصحاب المصلحة فيه، وهم الجماهير العريضة. وهنا محل اختبار كلّ حالاتِ المعارضة، وتسقط المعارضة أخلاقيّاً وسياسيّاً عندما لا تجسّد الخيار الوطنيّ.
المنهج الثوريّ ليس حالةَ تقليدٍ أو تمثّلاً لصراعٍ قديمٍ يتمُّ تجديدُه لتحقيقِ أهدافٍ سياسيّةٍ أو فئويّةٍ أو حزبيّةٍ باستغلالِ فرصٍ طارئةٍ، بل إرادة تغيير جادّة لواقعٍ حياةٍ فاقدِ الصلاحيّة، فلا تستمدّ زخمها من تراكمات نفسيّة وتاريخيّة معقّدة أو رغبة في الانتقام أو إقصاء آخرين، بل النظر إلى الماضي كحالةِ اعتبار ودرس بليغٍ، وهو ليس مجرّد استنساخٍ لتجربةٍ ثوريّة أخرى في أدواتها وشعاراتها، وإنما تُحدد أبعادُ الثورة في أهدافها ومجالاتها وصياغة شعاراتها وتوقيتها، ولن تنجح ثورة إلا إن كانت وطنيّة في منطلقها ومستقرها، أي وطنيّة في قادتها وروادها وأدواتها وتصبّ في مصلحة كلّ الجماهير.
كانت مسألة الهوية الوطنيّة والانتماء الوطنيّ محلَّ الاهتمام باعتبارها قضية أساسيّة في بناء المجتمعِ الديمقراطيّ، وتعني تأكيدَ توسيع الإطار الاجتماعيّ ليستوعبَ حالات التنوّع ويُنهي أشكال الوصاية، فلا يكونُ الانتماءُ الفئويّ أو الطائفيّ أو العرقيّ معيارَ الوطنيّة، وهذا شرط توحيد الجهود لزيادة الإنتاج وتعزيز المناعة، وأساس التوزيعِ العادلِ للثروات والتشاركيّة الاقتصاديّة، وليحقق الاكتفاء الذاتيّ، ومعادلة الأمن في مستوياتها المتعددة، اعتباراً من حماية حياض الوطن ومروراً بالأمن الغذائيّ والاقتصاديّ ووصولاً للأمنِ الثقافيّ، وعلى هذا الأساس يتمّ الحوار مع باقي المجتمعات، أيّ بعد تأكيدِ حالة الهوية والانتماءِ، وإلا فقد الحوارُ عنصر النديّة، إنّ أبرز المهمات الوطنيّة التي لا مناص من إنجازها هو العمل لصياغة الهوية الوطنية وتأكيد استحقاقات المواطنة.
تحرير المؤسسات يعني خدمة المجتمع
كانت الحياة المجتمعيّة وضرورات الحياة اليوميّة أولى الضحايا في متغيرات الأحداث، وتمّ استهدافها مباشرة وتعطيلها، بسبب المغالطة في التقييم ومطابقة مفهوم الوطن والدولة والنظام، وأُريد عبر استهداف المؤسسات الخدميّة والمرافق العامة وقطع الطرقات تجفيف منابع قوة النظام ليُصار إلى إسقاطه، أي الإسقاط بالقوة، فيما كانت الرؤية مختلفة في روج آفا، إذ وُضع نصب العين أنّ تحرير المؤسسات إنّما يعني إحياءها لتؤدّي عملها بشكل صحيح في الخدمة المجتمعيّة، بل كان المطلوب رفع كفاءة المؤسسات الخدميّة، لأنّ غاية الثورة رفع المعاناة والظلم عن كاهل المواطن لا إضافة آلام جديدة وتعميق الأزمات، فكانت أولى الخطوات تشكيل مجالس شعبيّة تعكس حقيقة الواقع بمشاركة كلّ الشعوب لتأكيد وجودها ضمن البناء المؤسساتيّ الذي سيتطور ليكون أساس الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة.
نتيجة حالة الفوضى التي سادت البلاد كانت حالة الفراغ أكثر المشكلات التي طفت على السطح بداية الأزمة السوريّة وشملت كلّ جوانب الحياة، الإداريّة، الاقتصاديّة، الأمنيّة، القضائيّة، ولا يمكن متابعة مسير الحياة الطبيعيّة بدون جهة تفصلُ في القضايا والتنازع بين الأفراد، إذ إنّ ذلك يفضي إلى تجاوزات وتضييع الجهد الثوريّ، فشُكّلت لجان العدل لحلِّ القضايا الاجتماعية بعيداً عن مؤسسة الدولة الاحتكاريّة البيروقراطيّة، واتّحدتِ النساءُ من كافة الشعوب في كلّ حي وقرية وبلدة لتشكّلن مجالسهن الخاصة ومشاريعهن الاجتماعيّة والاقتصاديّة بعيداً عن استغلال مؤسسات السلطة، كما اجتمع المثقفون والمعلمون والفنانون والحقوقيون والأطباء والرياضيون والشبيبة وغيرهم من فئات وشرائح المجتمع المهمّشة في المنطقة ليشكّلوا البُنى الأوليّة والأساسيّة لاتحاداتهم ونقاباتهم بعيداً عن سلطة الدولة وبما يتناغم مع متطلبات الشعب التوّاق إلى حقوقه وحريته في البناء والتعبير والتغيير.
ثورة روج آفا… ثورة المجتمع
من أهم ملامح التميّز وأسباب نجاح ثورة روج آفا أنّها قرأت الواقع السياسيّ والاجتماعيّ جيداً في سوريا، ولم تنطلق من فراغٍ، ولم تتبنَّ إسقاط النظام هدفاً أساسيّاً، بل إنجاز جملة تغييرات في بنية المجتمع السوريّ، إذ هي أدركت أن لا ثورة يمكن أن يكتب لها النجاح ما لم يتلمس أبناء المجتمع حجم التغيير فيها، وأنّهم هدف الثورة، ولذلك كان اللافت توجّه الثورةِ إلى المرأةِ لتحرّرها من عِقال تخلف العادات والتقاليد المجتمعيّة والضغوط السياسيّة وقصور النص القانونيّ وشموليّة الوصاية، وليتحرّر بذلك نحو نصف طاقات المجتمع، وجعلت الشباب محرّك الثورة وجوهرها، ولذلك لم تكن ثورة روج آفا نموذجاً مستنسخاً لثورة أخرى، بل كانت ثورة وطنيّة، استجابت لضرورة المرحلة واستطاعت تعبئة الجماهير وتمكينها من تنظيم نفسها ذاتيّاً لتؤديَ كلُّ فئة مجتمعيّة دورَها المطلوب من غير وصاية من أحد، لأنّ من أخطر ما ابتُليت به ثورتا تونس ومصر هو الوصاية الحزبيّة وهو ما أدّى إلى سرقة الثورة بالكامل وتظهير الإخوان المسلمين ووصولهم إلى السلطة، فيما انزلقت الثورة السوريّة إلى الصراع المسلّح متجاوزة ليبيا واليمن.
لم تنطلق ثورة روج آفا خالية الوفاض، ولم تحصر نفسها بالمظاهرات في الشوارع، بل حضّرت خطوات الحراك الثوريّ وصياغة الشخصيّة الثوريّة التي تعي تماماً أسباب الثورة والمؤمنة بأهدافها والجادة بالعمل لتحقيقها، وجعلت المجتمع وخدمته هدفها الأساسيّ، ولذلك بقيت بمنأى عن الاستدراج إلى الصراع من أجل السلطة، وجددت نفسها بالعمل التنظيميّ والشعبيّ، بالتوازي مع التنوير الثقافيّ، ولذلك كانت مواضيع النشاط الثقافيّ وافتتاح مراكز الثقافة وتعليم اللغة الكرديّة من أولى النتائج التي عاينها المواطنون، والمسألة كانت ترتكز إلى فهمٍ عميقٍ لمعنى الديمقراطيّة، وأنّها يجب أن تُؤسس على أرضيّةٍ متينةٍ من الوعي والثقافة ليتمكّن المجتمعُ من إنجازِ التغيير المطلوب، فيما كان الحراك العبثيّ في الشوارع مستمراً في أنحاء البلاد تغذيه أموالٌ مشبوهةٌ تُضخُّ له من الخارج، وترافق بالتطاول على الممتلكات العامة والخاصة باسم الثورة لتُكرَّسَ بيئة الفوضى والتي تحولت إلى أعمالِ سلبٍ ونهب وخطف وصولاً للقتل على الهوية وبغايةِ الهواية والتشفّي والارتزاق والقتلِ المأجور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.