سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الجنرال (جياب)… والقائد (آبو)… عزيمتان لا تلين (1)

رجائي فايد-

منذ أن حصرت معظم اهتماماتي بالمسألة الكردية، وأنا من حين لآخر أتوقف عند معظم زعمائها بقراءة سيرهم والتعرف على نواحي القوة لديهم، ومقارنة ذلك بسيرة من حفل التاريخ النضالي الإنساني بهم، وقد توقفت مؤخراً كثيراً عند بطل التحرير الفيتنامي (الجنرال فون جيون جياب)، لتعدد جوانب العبقرية في شخصيته، حيث ما كان يمكن له أن يقارع دولتين استعماريتين كبيرتين وينتصر عليهما بالتتابع إلا بما يمتلك من تلك العبقرية.
إن شخصية (الجنرال جياب) تشكل مدرسة ثورية وعسكرية عالمية في حرب العصابات، ألهمت جميع حروب التحرير في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث يعتبر مساره إرثاً ثورياً غنياً في خدمة نضال وكفاح جميع الشعوب ضد الغزو الأجنبي، ولكل من يناضل من أجل الحفاظ على سيادة واستقلال بلاده.
ولذلك صنفته الجمعية الملكية البريطانية واحداً من بين أهم عشرة عسكريين في تاريخ البشرية، ولم يخجل بأن يصف حربه مع القوتين الجبارتين (فرنسا ثم أمريكا) (بحرب الضعفاء)، إذ كان مقاتلوه حفاة عراة جوعى ولكنهم انتصروا في النهاية، بفضل توحده مع مقاتليه وتعايشه معهم في ظروفهم القاسية، تمكن من تلقين العدو الإمبريالي درساً لا ينسى وهو ما أصبح يعرف لاحقاً بالدرس الفيتنامي.
 وخلاصته أن أي محاولة للسيطرة على أي أمة ومصادرة استقلالها وسيادتها مصيرها الفشل، لأن الاستعمار هو تلميذ غبي لا يتعلم، فأمريكا دخلت حرب فيتنام بعد هزيمة فرنسا وهي تجهل تاريخ وحضارة من تقاتل، إذ تصورت أن الحرب ما هي إلا مواجهة بين معسكرين أحدهما يمتلك أحدث ترسانات العالم من الأسلحة (في ذلك الوقت)، في مواجهة معسكر متواضع أسلحته بدائية حَمَلَتُها حفاة جوعى.
 وهذه مجرد معادلة رياضية سهلة الفهم حيث لم يدر في خلد هؤلاء أن الحرب ليست بالسلاح وحده ولكنها في جوهرها صراع بين إرادتين، إرادة قوة استعمارية تدمر كل شيء، وإرادة شعب له تاريخ وحضارة، وهذا الجنرال يستحضر كل ما في مكنونات شخصيته من قوة تدفعه إلى تحرير وطنه، ليتمكن من تحويل جوع مقاتليه (وهو معهم) إلى هذه القوة الهائلة لينتصر في النهاية.
نفس الوقت كان ينعى حال قادة من يناضلون من أجل تحرير أوطانهم وهم يعيشون حالة الترف، وحكي عنه أنه زار عاصمة عربية لديها فصائل تسمى ثورية، فلما شاهد حياة البذخ والرفاهية التي يعيشها قادة تلك الفصائل وقارنها بحياته مع ثوار(الفييت كونج) في الغابات الفيتنامية، قال لتلك القيادات: من الصعب أن تنتصر ثورتكم، سألوه لماذا؟ أجاب: لأن الثورة والثروة لا تلتقيان، الثورة التي لا يقودها الوعي تتحول إلى إرهاب والثورة التي يُغدَق عليها المال تنتج لصوصاً ومجرمين، وقد حدث لقاء بين (الجنرال جياب)، و(ياسر عرفات) وقال له أبو عمار: أنا سعيد بمقابلة صاحب أكبر ثورة شعبية في العالم، وصدمه جياب قائلاً: وأنا سعيد بمقابلة صاحب أصعب ثورة في العالم، سأله أبو عمار لماذا؟ فرد: أنتم تحاربون في وسط منطقة غنية بالنفط التي تغدق على فصائلكم بالمال لمصالحها، ولذلك سيحاصركم الأعداء في جزيرة معزولة للقضاء عليكم، وبالفعل تحققت نبوءة (الجنرال جياب) بكل أسف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.