سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ألو.. عم جابر

محمد عاطف (كاتب وشاعر مصري)-

منذ فترة زمنية بعيدة، تم توصيل خِدمة التليفون الأرضي (الثابت) إلى قريتنا، ولم يكن آنئذٍ بمقدور البعض أن يَحصل على تلك الخدمة، سواء من ناحية التَّكلفة المادية، أو عدم الحاجة لمثل تلك الخدمة كوجهة نظر أُخرى، وقد كان لي صديق قد حَصلت أسرته على خط هاتف حينئذٍ، ولكنه كانت لهُ وجهة نظر تعترض وتنتقد بعض المُشتركين، منها لماذا فلان العامل!! أو فلان الفلاح البسيط!! أو الفقير!! يقوم بتوصيل تلك الخدمة الهامة ولن يَستفاد منها؟! أَما كان يكفي هؤلاء وجود السنترال العمومي وقت حاجتهم للتليفون؟ أم أنه تقليد أعمى للآخرين؟ وقد كان واحداً ممن أصبح لديه خط تليفون آنذاك رجل بسيط للغاية ولا يتمتع بأي حيثية تُذكر، ويُدعى “عم جابر”، مما دفع بصديقي المشاغب وخفيف الظِّل المُعترض الناقد دوماً لأن يتصدى لذلك، وارتأى أنه لا بد من مُعاقبة وإزعاج ومعاكسة ذلك الرجل وأمثاله جَراء ما اقترفوا من فعلتهم الشنعاء على حد تصوره بتوصيل تليفونات، وتأديبهم أيضاً!!، فكان صديقي يأتي بعد منتصف الليل ويقوم بطلب رقم تليفون عم جابر، موقظاً إياه وهو يَغُط في نوم عميق، وكان صديقي له القدرة على تغيير طبقات صوته، فتجده حازماً واثقاً تارة، وتارةً أخرى نَاعماً حَبوباً وهكذا، وذات مرة رن على عم جابر وطلبه وقال آلوووه حضرتك عم جابر يا فندم؟
فرد الرجل معاك يا بني حضرتك مين؟ فقال له معك “إذاعة القرآن الكريم”، فرد الرجل أهلاً وسهلاً فقال له صديقي حضرتك يا عم جابر رقم تليفونك كسب معانا (رِحلة عُمرة) ففرح الرجل وأخذ (يُكَبِرّ) فرد صديقي والإذاعة المصرية تُبارك لحضرتك، وبتلك المناسبة تحب تسمع أي أغنية تختارها معانا؟!
فقال الرجل على الفور سمعني أغنية (يا رايحين للنبي الغالي) فرد عليه أوكيه طيب من فضلك ياعم جابر هل خالتي مبروكة بجوارك؟! فرد الرجل بسذاجة تقصد زوجتي؟!
فقال له نعم .. فرد الرجل لكن هي نعسانة.. فرد عليه أيقظها تسمعنا زغرودة يا شيخ، فأيقظ الرجل زوجته كي تزغرد ثم قال له سمعني يا بني الأغنية بقا .. فرد عليه صديقي مُغيراً طبقة صوته بصيغة الأمر “ليس بمزاجك تسمع ما تريد”! “إحنا الحكومة” ونسمعك ما نريده نحن واسمع معانا أغنية (إدلع يا رشيدي على وش الميه) فيدرك الرجل أنه مقلب ويرد عليه بسيلٍ من الشتائم والسُباب، ولم يَرّتَدِع صديقى عن مماراساته، بل كان يدخل في نوبه من الضحك المتواصل ويُشركنا معه، ولم يَسلم عم جابر منه، فقد كان أسبوعياً تقريباً وبعد منتصف الليل يُمثل عم جابر مَرمَى لسهام عِقاب صديقي.
 ذات مرة رن صديقي على عم جابر وقال له حضرتك عم جابر فرد أيوه يا بني فقال له معك “إذاعة الشباب والرياضة”، ممكن نسمع منك تعليق على مباراة الأهلي والزمالك اليوم؟! فيرد عم جابر بكل سذاجة وطِيبة يا بني أنا والله لا أشاهد الكورة وليس عندي تليفزيو … فيرد عليه طيب خالتي مبروكة بجوارك؟ فيرد الرجل وعايز منها أيه هي الأخرى…!!! فيقول نحب نعرف طبخت ليكم أيه النهارده .. ؟! فينفجر الرجل بسيل من الشتائم وصديقي يضحك ولا يُبالي.
 وبعد تلك الفترة الزمنية الطويلة من أيام الصِبا، جمعتني الصدفة بصديقي بالقاهرة، وتحدثنا عن وباء (كورونا) وماذا فعلت بنا! والتباعد الاجتماعي، ثم عَرّجنا على الماضي والذكريات وإذا به يقول لي، سأحكي لك موقفاً حدث لي منذ شهر تقريباً فلقد وقعت ضحية عملية نصب واحتيال، فقلت له مُندهشاً أنتَ؟ كيف ذلك؟ فقال اتصلت بي إحدى الفتيات على هاتفي المحمول (الجوال) تقول لي رقمك مُمَيز ودخل السحب وحضرتك كِسبت معانا جوال ماركة (آي فون) والذي يعادل حوالي 1000 دولار، ومن فضلك أعطني عنوان بمكان عام نتقابل فيه، وليكن أحد الكافيهات أو المطاعم، ويُخبرني صديقي ويقول بالفعل قابلتني بنت شابة فاتنة الجمال ومعها هدية مُغلفة عبارة عن زُجاجة عِطر غالية الثمن بحوالي ما يُعادل 20 دولار وقالت هذا عربون صداقة مع شركتنا لكي تُساعدنا في الترويج لمنتجاتنا، ثم أخذت منه ما يعادل 100 دولار مقابل فوزه في السحب على الفون وأعطتني إيصالين، أحدهما بالمبلغ المذكور والآخر لاستلام الـ (آي فون)، وقالت حضرتك تذهب بالإيصالات غداً للاستلام، وقمت بدور شهامة وعزمت الفتاة الجميلة على الغذاء بالمطعم، ثم ذهبت في اليوم التالي فوجدت أن العنوان المذكور وهمي ولاوجود للشركة المدونة بالإيصال! فاندهشت أنا ودخلت في نوبة من الضحك ذكرتني بالماضي، وقلت له لعلك اتعظت يا ريس وها هو حق عم جابر قد وصل بعد سِنين! فضحك من أعماقه وقال عم جابر أصلاً كان هو الغلطان يا محمد يا عاطف!!! فقلت له اتقِ الله يا رَجُل؟ فقال أيوه كان غلطان لماذا لم يَقُم بنزع “فيشة” التليفون قبل منتصف الليل…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.