سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

في إشكالية تصنيف الأجناس الأدبية

ـ الرواية في شمال وشرق سوريا نموذجاًـ 2

دلشاد مراد-

 ذكرنا سابقاً أن هناك تداخلاً حاصلاً بين أجناس الرواية والسيرة الذاتية والمذكرات في معظم الروايات الصادرة في شمال وشرق سوريا، مما يحدث إشكالية الهوية الأدبية، كون المؤلف لا يكتب سيرته أو مذكراته، بل هو الوسيط بين القارئ وبطل روايته، أي أنه يكتب سيرة أو مذكرات شخص آخر اعتماداً على معلومات متوفرة لديه أو بحكم وجود علاقات شخصية أو صلة قرابة.
فالشخصية الأولى أو بطل معظم الروايات هم شهداء الحرية – مقاتلون وقياديون – في كردستان وشمال وشرق سوريا، مثل رواية (شيلانا) لـ “روناك مراد” (صدرت في 2006) والتي تسرد قصة أو سيرة حياة القيادية في حركة التحرر الكردستانية “شيلان باقي” منذ صغرها وانتقالها إلى حلب وتعليمها ودخولها السجن وعملها في فرقة فنية، ومن ثم المشاركة في النضال التنظيمي والانضمام إلى حركة التحر الكردستانية وتبوءها مسؤوليات قيادية، وكذلك عن تضحياتها في سبيل حرية شعبها حتى وصولها إلى مرتبة الشهادة. كما أن روايتها (مهربان) (صدرت في 2019) تتحدث عن سيرة حياة القيادية في حركة التحرر الكردستانية الملقبة باسم “عزيمة” واسمها مهربان، الفتاة الكردية المتعلمة التي هجرت موطنها لتلتحق بقوات الكريلا في جبال كردستان، وكانت أول فتاة تقود سرية نسائية في جبال كردستان، لتصبح قائدة لجيش المرأة الكردستانية. الجدير بالذكر أن الكاتبة اعتمدت بالدرجة الأولى على ذاكرتها ومذكرات بطلات الرواية وأرشيف حركة التحرر الكردستانية في كتابة تلك الروايات.
ومن النماذج الروائية الأخرى، رواية (احتضنا التراب معاً) لـ هيفا حسن (صدرت في 2020) تسرد فيها الكاتبة حياة شابين أخوين من عامودا يهاجران إلى لبنان من أجل العمل وتأمين حياة آمنة وتزوجا في ليلة واحدة وعادا إلى بلدهما بعد توتر الأوضاع في سوريا واندلاع الاحتجاجات فيها، لينضما إلى وحدات حماية الشعب في قامشلو وحاربا مرتزقة جبهة النصرة وداعش الذين هاجموا مناطق عدة في روج آفا وشمال شرق سوريا (سري كانيه، الريف الجنوبي لقامشلو) وكان استشهادهما في ليلة واحدة أيضاً في حملة تحرير الرقة.
وهكذا نلحظ أن الشكل المتبع في معظم الروايات هو سير حياة وثائقية لشهداء وأبطال يدونها كتاب مقربون أو ذات صلة اعتماداً على معلومات متوفرة لديهم عن حياة هؤلاء الشهداء والأبطال.
وبحسب معظم النقاد العالميين فإن النص السردي التوثيقي الذي يعتمد على تقنيات روائية وتحيل إلى عالم حقيقي غير خيالي تسمى بـ (السيرة الذاتية الروائية)، وعند البحث في أدب السيرة فإنها تنقسم إلى شكلين، أولها (السيرة الذاتية) وفيها يدون المؤلف بنفسه أحداثاً من حياته الخاصة ويتحدث عن حياته الواقعية، وثانيها (السيرة الغيرية) وفيها يدون المؤلف عن حياة شخص آخر ملتزماً الحياد والموضوعية.
وعليه يمكن وصف الشكل الأدبي للروايات في شمال وشرق سوريا ضمن النماذج المذكورة أعلاه بـ (السير الغيرية الروائية) أو اختصارها إلى (السيرة الروائية) التي هي فرع من أدب السيرة وليس الرواية. وهناك من اقترح مصطلحات جديدة هي (سيرة حياة)، (السيرة التوثيقية)، (الرواية التوثيقية)… إلخ.
أما مسألة ضعف استخدام تقنيات الرواية لدى كتاب شمال وشرق سوريا، فهذا عائد إليهم، وعليهم تجاوز الضعف الحاصل من خلال العمل على التطوير الذاتي المستمر..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.