دوامة الشرق الأوسط

68
” فوزة يوسف ” –

بدأت الأزمة البنيوية في منطقة الشرق الأوسط في القرن الثالث عشر وكانت الدولة العثمانية قد جاءت لتقوم بتجذير هذه الأزمة البنيوية ولم تستطع تحقيق قفزة  في وجه الاستراتيجية الغربية حين ذاك، ومنذ ذلك الوقت بدأ العد التنازلي وشكل ملموس لانهيار الدور المركزي لمنطقتنا.
إن الهجمة التي تمت على منطقتنا في القرن التاسع عشر كانت استمراراً للمحاولات التي تمت في القرنين الحادي عشر والرابع عشر. فحروب هذه المنطقة لم تبدأ في القرن الحالي إنما هي استمرار للحروب التي بدأت ضد هذه المنطقة من قبل الاسترانيجية الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين. استخدمت القوى الغربية في هجومها على هذه المنطقة ثلاثة أسلحة استراتيجية فتاكة (الرأسمالية – الدولة القومية – الصناعوية) ومشكلتنا الأساسية في الشرق الأوسط أننا لم ندرك بعد تأثير هذه الأسلحة علينا وما زلنا نجهل حقيقة أنه لا نستطيع أن نحقق أي انطلاقة حضارية في هذه المنطقة إذا لم نستطع مواجهة هذه الاسلحة التي قامت بتمزيق منطقتنا.
قامت القوى المهيمنة وعلى رأسها إنكلترا بربط القوى الحاكمة في المنطقة بها وفي الحالات التي فشلت في ربطها بها عملت على تجزئتها، وقد كان من أشد أشكال هذه التجزئة وضوحاً تفكيك الإمبراطوريتين العثمانية والشاهنشاهية الإيرانية من خلال أداة الدولة القومية. فالدولة القومية لم تكن كما يظن البعض من ابتكار القوى القومية في المنطقة إنما كانت خطة بريطانية وبامتياز وسياسة جوهرية ضمن سياسة “فرِّق تسد” وكانت قد طبقته في وقت سابق ضد الإمبراطوريات الأوروبية باسم (الثورة القومية) وما الانقسام الذي شهده المجتمع العربي وتفكك الدولة العثمانية والصراع العربي الإسرائيلي إلا  أن كلها نتائج لهذه السياسة.
البرجوازية التي نشأت في مزرعة الدولة القومية لم تتردد في استخدام جهاز الدولة لاستغلال واحتكار الثروات، بالإضافة إلى ذلك؛ فإن الصناعات والسلع المصدرة إلى المنطقة كانت قد أدت إلى ازدياد حدة أزمة المجتمع والبيئة. إذ؛ أنه غالباً كانت الجهات المصدرة لهذه المنتجات تضع على أولويتها تحقيق أقصى قدر من الربح؛ ما أضر بالاقتصادات المحلية وقضت على عملية الاكتفاء الذاتي الذي كان سائداً. تطرقي لهذه النقاط ينبع من فكرة أن ما يجري في المنطقة غير منفصل عن تاريخنا الحديث وبناء على ذلك؛ نرى أنه لا القوى الإقليمية المهيمنة ولا القوى الدولية يمكن أن تجد حلولاً لأزمات هذه المنطقة طالما أنها هي من سببتها وأوجدتها في الأصل.
بناء على ما سبق؛ تقتضي الحاجة  أن نبحث عن نظرية جديدة واستراتيجية جديدة بعيدة عن كل الأسس الفكرية التي تخدم كل من الرأسمالية والدولة القومية والصناعوية. حتى نتمكن من مواجهة حداثة الغرب المهيمنة يجب علينا أن نطور حداثة منبثقة من حقيقتنا التاريخية والاجتماعية. لذا؛ فمفهوم الحداثة الديمقراطية الذي طرحه المفكر الشرقي السجين القائد عبد الله أوجلان هام للغاية، حيث أنه بدل الدولة القومية تم طرح مفهوم الأمة الديمقراطية الذي يحقق الحرية والمساواة لجميع الهويات الاجتماعية ويعتمد على الفرد ؛ المواطن الحر والواعي وعلى نظام إداري ديمقراطي يحقق لكل الشعوب التمثيل العادل. وبدلاً من الصناعوية يطرح مفهوم حياة إيكولوجية (بيئوية) ترفض كل أنواع التسلط على الطبيعة وتحقق التوازن بين الإنسان والبيئة المحيطة. هذا يعني بأنه اذا كنا نريد أن ننهي الأزمة في المنطقة فسبيل ذلك ليس التشبث بفضلات الدولة القومية، وتقديس حفنة من السماسرة الذين يسمون أنفسهم بالحكومات، بل بتطوير رؤية ديمقراطية وتنظيمها بشكل مستمر من قبلنا نحن كبنات وأبناء الشرق الأوسط.