آثار إخراج المرأة من الاقتصاد

72
عبد الله آوجلان –

على العصرانيّةِ الديمقراطيّةِ الإدراكَ أنَّ طبيعةَ المرأةَ وحركتَها في سبيلِ الحرّيّةِ من إحدى قواها الأساسيّة، وبالتالي اعتبارَ تطويرِها وعقدِ التحالفِ معها كإحدى مهامِّها الرئيسيّة، وتقييمَها بموجبِ ذلك ضمن نشاطاتِ إعادةِ الإنشاء.
إنّ تَصَرُّفَ المرأةِ بمزيدٍ من الواقعيّةِ وروحِ المسؤوليّةِ على صعيدِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ أمرٌ نابعٌ من طبيعتها، وذلك من حيث تقييم وتشخيص وإقرارِ الجوانب الحسنة والسيّئة من تعليمِ الإنسان وتربيته، وأهميّةِ الحياةِ والسلم، وسوء الحرب وهَولِها، ومعايير الأحَقِّيَّةِ والعدالة. وبطبيعةِ الحال، أنا لا أتحدّثُ عن المرأةِ الدُّميَةِ بِيَدِ الرجل وظِلِّه، بل موضوعُ الحديثِ هنا هو المرأةُ الحرّةُ المتبَنِّيةُ للمساواةِ والدمقرطة. سيَكُونُ من الأصحِّ تطويرَ علمِ الاقتصادِ أيضاً كجزءٍ من علمِ المرأة. فالاقتصادُ شكلُ نشاطٍ اجتماعيِّ أدّت فيه المرأةُ دوراً أصليّاً منذ البداية. والاقتصادُ ذو معانيَ مصيريّةٍ بالنسبةِ للمرأة، بِحُكمِ مسؤوليتِها في قضيّةِ تنشئةِ الأطفال. علماً أنّ معنى لفظ الاقتصاد ECO-NOMY هو «قانون المنزل، قواعد ارتزاق وإعاشة المنزل». واضحٌ أنّ هذا أيضاً من نشاطاتِ المرأةِ الأساسيّة. تَجَسَّدَت أكبرُ ضربةٍ لَحِقَت بالحياةِ الاقتصاديّةِ في إخراجِ الاقتصادِ من يدِ المرأة، وتسليمه إلى يدِ المسؤولين الذين يتصرّفون كالآغواتِ من قَبيلِ المُرابِين والتُّجَّارِ والمستَثمِرين وأصحاب المالِ والسلطةِ والدولة. الاقتصادُ الموضوعُ في يَدِ القوى المضادةِ للاقتصاد يتمّ تصييرُه هدفاً أوليّاً للسلطةِ والعسكرتاريا بسرعةِ البرق، متحَوِّلاً بذلك إلى عاملٍ رئيسيٍّ في نشوبِ الحروبِ والنزاعاتِ والصِّدَاماتِ والأزماتِ اللامحدودةِ على مرِّ تاريخِ المدنيّةِ والحداثةِ برمّته. الاقتصادُ في يومنا الراهن قد باتَ ساحةً لألاعيبِ مَن لا علاقةَ لهم بالاقتصاد، يَعُيثُون فيها ويَنهَبون ويَسلبون القيمةَ الاجتماعيّةَ بِنَهمٍ لا يعرفُ حدوداً من خلالِ التلاعبِ بِقِطَعٍ وَرَقِيَّةٍ وبأساليبِ أنكى من القمار. أي أنّ المرأةَ طُرِدَت تماماً من مِهنَتِها المقدَّسةِ التي صُيِّرَت ساحةً للبورصاتِ وميادينِ الرِّبا والتلاعُبِ بالأسعار، ومعامِلَ لإنتاجِ آلاتِ الحروب ووسائلِ المواصَلاتِ التي تَجعَلُ البيئةَ لا تُطاقُ والمنتوجاتِ الكماليّةِ التي لا علاقةَ لها بحاجاتِ الإنسانِ الأوليّةِ ولا نفعَ منها سوى إدرار الربح. جليٌّ بسطوع أنّ حركةَ الحرّيّةِ والمساواةِ والديمقراطيّةِ النسائيّةَ، التي تستندُ إلى علمِ المرأةِ المحتوي على الفامينيّةِ أيضاً ضمن ثناياه؛ ستؤدي دوراً رئيسيّاً في حلِّ القضايا الاجتماعيّة. ينبغي عدم الاكتفاءِ بانتقادِ الحركاتِ النسائيّةِ البارزةِ في الماضي القريب، بل وتوجيه الانتقاداتِ اللاذعةِ لتاريخِ المدنيّةِ والحداثةِ اللتَين تسبَّبَتا في تهميشِ وخسارةِ المرأة أكثر. وإذ ما كانت مسألةُ وقضيّةُ وحركةُ المرأة تكادُ تَكونُ معدومةً في العلوم الاجتماعيّة، فالمسؤوليّةُ الأساسيّةُ في ذلك تُعزى إلى الذهنيّةِ المهيمنةِ للمدنيّةِ والحداثة وبُناها الثقافيّةِ الماديّة. قد تُقَدَّمُ المساهماتُ إلى الليبراليّةِ بالتناولِ القانونيِّ والسياسيِّ الضيّقِ للمساواة. ولكن، من المستحيل آنئذٍ تأمينَ تحليلِ القضيّةِ كظاهرة، فما بالكم بِحَلِّها عبر هكذا مواقف؟ إن الزعمَ بِكَونِ الحركاتِ الفامينيّةِ الحاليّةِ تَحَوَّلَت إلى قوى منقطعةٍ عن الليبراليّةِ ومضادةٍ للنظام سيَكُون خداعاً للذاتِ، لا غير. إنْ كانت الراديكاليّةُ إحدى قضايا الفامينيّةِ الرئيسيّةِ مثلما يُقال، فمن الضروريِّ حينذاك – وقبل أيِّ شيءٍ آخَر – أنْ تُديرَ ظهرَها وتَقطَعَ أواصرَها مع إدماناتِ وسلوكيّاتِ الليبراليّةِ الجذريّةِ وحياتِها وأنماطِها الفكريّةِ والعاطفيّة؛ وأن تُحَلِّلَ عدوَّ المرأة المتمثّلَ في المدنيّةِ والحداثةِ اللتَين تَقِفان خَلفَها. هذا وينبغي عليها السير على سُبُلِ الحلِّ القَيِّمِ بالتأسيس على ذلك.