19 تموز… ثورة الاقتصاد الكومينالي

79
تقرير/ إيريش محمود –

روناهي/ قامشلو ـ تصدت ثورة روج آفا للحصار المفروض على شعوب شمال وشرق سوريا وخلقت اكتفاء ذاتي، علاوة على إقامة مشاريع اقتصادية عدة من جمعيات تعاونية وبناء المعامل المختلفة، والسير باقتصاد شمال وشرق سوريا نحو الكومينالية…
رغم الحصار الاقتصادي الذي فُرض على الشمال السوري لاتباع سياسة التجويع. لكن؛ حققت ثورة روج آفا الكثير خلال الأعوام السبع من عمرها، حيث استطاعت أن تنشأ جمعيات تعاونية ومصانع ومعامل وإقامة البيوت البلاستيكية لسد حاجة الاستيراد وخلق اكتفاء ذاتي، غيّرت السياسات رأساً على عقب بإرادة شعوبها المتمثلة بتأسيس الإدارات الذاتية من خلال إدارة أبنائها.
ثورة روج آفا اكتمنت في الفكر والذهنية والإدارة الذاتية هذا ما ميّزها عن الثورات الأخرى، ومنذ تأسيسها عملت على تلبية حاجات ومستلزمات المواطن، وبإمكانياتها الذاتية والمتوفرة صانت حقوق المجتمع. فمنذ بداية الأزمة يحاول أبناء المنطقة حماية مناطقهم من انهيار البنية التحتية على عكس المناطق الأخرى في سوريا، وتصدت للهجرة؛ كي تحافظ على بنيتها التحتية التي تشكل العصب الرئيسي في استمرارية ثورة روج آفا هذا من جهة، ومن جهة أخرى تحاول الاعتماد على نظام كومينالي مجتمعي لخلق الاكتفاء الذاتي، وبناء جمعيات تشاركية تساهم في نمو الاقتصاد المحلي.
التخفي وراء ستار الثورة
اتبع النظام سياسات مدروسة للنيل من إرادة الشعب في الشمال السوري وممارسة التبعية بعدة مجالات مثل إنشاء المعامل والمصانع في منطقة الجزيرة، فلم يكن يسمح بترخيص المعامل نهائياً إلا بما يتماشى مع مصالحه، مما جعل منطقة الجزيرة من المناطق النائية، تعتمد على استيراد المواد من الداخل السوري أو من الخارج؛ الأمر الذي كان يسبب غلاء في الأسعار وارتفاع نسبة البطالة والهجرة الداخلية والخارجية بحثاً عن لقمة العيش، كل تلك السياسات كانت تمارس بطرق مدروسة.
تدهور الوضع الاقتصادي في عموم سوريا بسبب المنحى الذي اتجهت إليه الثورة السورية والهجمات الخارجية عليها وسياسة الإبادة التي اتبعها النظام على الشعب السوري، وهجمات مرتزقة داعش والفصائل المسلحة التي تنادي بالحرية على جميع مفاصل الحياة، واستغلال بعض الجهات التي تسترت خلف ستار الثورة، وأيضاً الفراغ الأمني وزيادة حالات السرقة ونهب خيرات البلاد.
بجهود أبنائها قضت على سياسة الطمع
وعانى الشعب السوري في المناطق التي شهدت اشتباكات أدت إلى انهيار الوضع الاقتصادي فيها، وبالتالي أدت إلى تأزم وتردي الأوضاع المعيشية وانتشار المجاعة والأمراض وتسببت بنزوح مئات الآلاف من المواطنين إلى المناطق الآمنة في روج آفا التي استطاعت السيطرة على الوضع بجهود أبنائها والمحافظة على أمان المنطقة قدر الإمكان، وبعد الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في عام 2012م عملت منذ ذلك الحين على تنظيم المؤسسات والمجالس المحلية والهيئات، وصبت جّل اهتمامها على الوضع الاقتصادي في المنطقة، وكان من مهام هيئة الاقتصاد دعم المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية في عموم الشمال السوري، محاولة بذلك الوصول إلى الاكتفاء الذاتي والحد من الاحتكار والاستغلال والحد من البطالة وتفعيل أكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة نساءً ورجالاً.
أعادت الاقتصاد إلى جوهره الحقيقي “الكومينالي”
وعرفت ثورة روج آفا بثورة المرأة؛ لأن المرأة عادت بالاقتصاد إلى جوهره الحقيقي؛ وعملت في مختلف المجالات وطورت الاقتصاد المجتمعي الكومينالي، منذ القِدم كانت المرأة تتبع قواعد معيشية لتأمين رزق عائلتها، وخلال الثورة عملت على تشكيل اقتصاد مجتمعي، واستطاعت التخلص من الأعمال التي كانت محصورة ضمن إطار الأعمال المنزلية، إعادة تنظيم نفسها وقامت بعدة مشاريع اقتصادية خاصة بالمرأة ليثمر إنجازاتها، حيث واصل اقتصاد المرأة تطوره إلى المناطق المحررة في الشمال السوري من مرتزقة داعش مثل مدينة “الطبقة، الرقة، منبج، ووصولاً إلى دير الزور”، حيث شاركت في الكثير من المشاريع الاقتصادية مثل المعامل والمصانع والمشاريع الزراعية والمطاعم وورش الخياطة وكان المثال الذي يحتذى به في الدول الخارجية هو سوق ببولة الذي افتتح في ديرك العام المنصرم، بالإضافة إلى قرية “جن وار” وغيرها من المشاريع الاقتصادية.
كان للمرأة دور كبير وفاعل منذ بداية الأزمة السورية من النواحي كافة، والجدير ذكره أنها استطاعت إثبات قدرتها على العمل في المجالات كافة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وقام مؤتمر ستار بإقامة مركز اقتصاد خاص بالمرأة الذي يقوم بالعمل على تنظيم مشاريع زراعية وصناعية وتجارية وكوبراتيفات نسائية، وأسس مركز اقتصاد المرأة للوقوف على المشاريع الاقتصادية “الجمعيات التعاونية” المتعلقة بالمرأة.
تطوير وإكثار البذار من إنجازات ثورة روج آفا
سعت مؤسسة تطوير وإكثار البذار في شمال وشرق سوريا لتطوير المحاصيل الزراعية كافة ومنها “القمح والشعير”، وتعمل جاهدة لتحسين نوعها، وتوزيعها على المزارعين وفق عقود؛ وذلك بعد الكشف عنها على عدة مراحل للوصول إلى نوع مُحسن، ليصبح إنتاج المحاصيل أكثر بكثير في السنوات القادمة؛ كون الزراعة تعتبر المورد الأساسي لمعظم سكان مناطق شمال وشرق سوريا.
كما كانت لثورة روج آفا الحفاظ على الثروة الحيوانية، علماً بأن لا تزال تربية المواشي العصب الأساس الذي تعتمد عليه مناطقنا للنهوض بالاقتصاد، حيث أولت الإدارات الذاتية اهتماماً بالثروة الحيوانية وتأتي أهميتها في الدرجة الثانية بعد الزراعة في مناطق إقليم الجزيرة، لما لها من تأثير إيجابي على الواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، لاعتبارها الدخل الرئيسي والوحيد للغالبية، ويعمل عدد كبير من أهالي الريف بتربية المواشي على اختلاف أنواعها من أغنام وماعز وأبقار، وساهمت في تنشيط الحركة الاقتصادية في البلد بشكل كبير وكان الإنتاج الحيواني منافساً قوياً لأي قطاع اقتصادي آخر.
الحفاظ على المِهن من الزوال
ولعبت الثروة الحيوانية دوراً هاماً في تأمين المواد الأولية لعدد من المواد الإنتاجية، وكان مجتمعنا منذ عقود يمتهن تربية المواشي وكان خبيراً بأصول تربيتها وتسمينها.
وحققت الثورة إنجازات كثيرة بما فيها تأسيس اتحادات بشكلٍ عام لكافة المؤسسات والأعمال، ومنها اتحادات صناعية وتجارية عامة، بالإضافة إلى تشكيل إدارة عامة للمحروقات في إقليم الجزيرة، للحد من استغلال المواطنين وحل أزمة عدم توفير مادة المازوت.
دعم الاقتصاد المجتمعي في المناطق المحرّرة
تطورت الجمعيات التعاونية والمشاريع الزراعية بشكلٍ ملحوظ وشهد إقبالاً من قبل النساء والرجال، كما تم افتتاح مشاريع ورشات الخياطة والتطريز، بالإضافة إلى المعامل والمصانع والشركات لتلبية المستلزمات اليومية للمواطنين، وعدة مشاريع زراعية داعمة للاقتصاد المجتمعي، من حيث تأمينها للبذار والسماد وتوزيعها على الفلاحين؛ كون القطاع الزراعي ذا أهمية قصوى في البنيان الاقتصادي كقطاع رائد في مجال التنمية الاقتصادية ومستودع الأمن الغذائي ومصدر الرزق لنسبة عالية من السكان وهو يزود القطاع الصناعي بالمواد الأولية اللازمة للتنمية الصناعية ويُوثِّق شعور الإنسان وارتباطه بالأرض والوطن، لرفع السوية الاقتصادية، وتشجيع الاقتصاد المجتمعي.
مع الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا تشكلت الهيئات التي عنيت بتأمين الاحتياجات الأساسية للمجتمع، وإعادة إعمار البنى التحتية والخدمية، في إقليم الجزيرة والمناطق المحررة من مرتزقة داعش والتي نالت النصيب الأكبر من حالة الحرب التي دارت في المنطقة خلال حقبة مرتزقة داعش، تدمرت المنشآت وغيرها من المؤسسات العامة والخاصة.
واستطاع الشعب إنشاء عدة معامل، ومصانع، وخلق فرص عمل لمعظم أبناء المنطقة؛ بهدف تقليص هجرة الشباب، والاعتماد على الصناعات المحلية، وعدم الاستيراد من الداخل السوري، ودول الجوار مثل تركيا، العراق، وإيران، ومناطق باكور وباشور كردستان، ذلك أن المواد المستوردة تكون بالعملات الأجنبية التي ارتفعت قيمتها مقابل الليرة السورية؛ مما أدى إلى ارتفاع أسعار تلك المواد.
أما فيما يتعلق بالموارد الاقتصادية للشمال السوري فهي غنية بالثروات الزراعية، الحيوانية، والثروات الباطنية، إلا إن سياسة النظام البعثي نهب خيراتها لعقود من الزمن دون أن يساهم في إنشاء أي مشاريع اقتصادية فيها؛ بهدف فرض سياسات التجويع، والتهجير بحق أبناء المنطقة.
التركيز على مكتسبات الثورة
واجهت الإدارة الذاتية الديمقراطية تحديات اقتصادية في ظل مناخ عدم الاستقرار السياسي الذي وضع الاقتصاد في مأزق، وكان لا بد من قرار سياسي جريء من أجل الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وبناء ديمقراطية فعلية تكون دعامة للاقتصاد الوطني وتلبية طلبات المواطنين، فسعت الإدارة الذاتية إلى تشكيل التعاونيات وبناء المؤسسات والمراكز الخدمية، ووضع خطط واضحة للتنمية الاقتصادية، ليكون لها تأثير عميق على الاقتصاد ككل، وضرورة بناء أسس جديدة والعودة إلى أسس المجتمع الطبيعي وتشجيع جهود التصنيع الزراعي والتركيز على مكتسبات الثورة.
والجدير ذكره أن ثورة 19 تموز انطلقت من كوباني عام 2012م.