عناصر السياسة الديمقراطية والدفاع الذاتي

168
عبد الله أوجلان –

 يؤدي عنصرا السياسةِ والأمن للحضارة الديمقراطية دوراً أساسياً في نشوءِ المجتمعِ الأخلاقي والسياسي. تصنيفُ السياسةِ الديمقراطية في مفهومِ المجتمعِ الذي هو سياسيٌّ مِن ذاته بالأصل، قد يَكُونُ أمراً زائداً عن اللزوم. ولكن، ثمّة فرقٌ بينهما. فقد لا تُمارَسُ السياسةُ الديمقراطية في كلِّ وقتٍ ضمن المجتمعِ السياسي، علماً أنَّ هيمنةَ المَلَكِيّة الاستبدادية غالباً ما فُرِضَت على المجتمع السياسي طيلةَ تاريخِ المدنيةِ الرسمية. لا يَفنى المجتمعُ السياسيُّ كليّاً تحت ظلِّ الهيمنة، ولكنه لا يستطيع دمقرطةَ ذاتِه آنذاك. فكيفما أنّ امتلاكَ الأُذُنِ لا يعني السماعَ في كلِّ الأوقات، بل يقتضي أنْ تَكُونَ الأُذُنُ سليمةً أيضاً؛ كذلك وعلى نحوٍ مشابه، فوجودُ النسيجِ السياسي أيضاً لا يعني أنه فعّالٌ بحرية في كلِّ الأوقات. حيث أنَّ عَمَلَ النسيجِ بمنوالٍ سليمٍ مشروطٌ بوجود أجواءٍ ديمقراطية.
بشكلٍ عام، بالمقدور إطلاق تسميةِ السياسةِ الديمقراطية على وجودِ المناخ الديمقراطي والبنية السياسيةِ للمجتمع السياسي. فالسياسةُ الديمقراطية ليست مجرّدَ نمط، بل وتُعَبِّرُ عن تَكامُلٍ مؤسساتيٍّ أيضاً. إذ لا يُمكن تطوير ممارسةِ السياسةِ الديمقراطية، دون وجودِ التمأسُساتِ العديدةِ من قَبِيل الأحزاب، المجموعات، المجالس، الإعلام، والمحافل وغيرها. الدورُ الأُساسيُّ للمؤسسات هو النقاشُ والتداولُ وصياغةُ القرارات، إذ لا يمكن للحياة أنْ تَسيرَ في جميعِ الأعمالِ المشتركة للمجتمع، دون وجودِ المداولات واتخاذ القرارات. فإما أنْ تنتهي حينها إلى الفوضى العمياء، أو إلى الديكتاتورية. هكذا هو مصيرُ المجتمع اللاديمقراطي دائماً، حيث يبقى مترنّحاً بين طَرَفَي الفوضى والديكتاتورية. ولا يمكن التفكير بنماءِ المجتمع الأخلاقي والسياسيِّ في هكذا أجواء. إذن، والحالُ هذه، فالهدفُ الأوليُّ للكفاح السياسي، أي للسياسة الديمقراطية؛ هو إنشاءُ المجتمعِ الديمقراطي، والوصولُ به إلى أفضلِ الأحوال بإجراءِ المداولات وصياغةِ القرارات المعنية بالأعمال المشتركة ضمن هذا الإطار.
الوصولُ إلى السلطة هو الهدفُ الأوليُّ للسياسةِ المُبعَدَة عن وظيفتها الحقيقية، والمتنامية في أجواءِ ومؤسساتِ ما يُسمّى بالديمقراطيةِ البورجوازية، والسلطةُ بدورها تعني انتزاعَ الحصّةِ من الاحتكار. جليٌّ تماماً استحالة وجودِ هكذا أهدافٍ للسياسةِ الديمقراطية، ولو أنها احتَلَّت مكانَها في مؤسساتِ السلطة (الحكومة مثلاً)، فالعملُ الأساسيُّ هو عينُه أيضاً حينذاك. وهذا العملُ هو اتّخاذُ القراراتِ السليمة ومتابعةُ تنفيذها في سبيلِ المصالحِ الحياتية المشتركة للمجتمع، لا لأجلِ انتزاعِ الحصّة من الاحتكار. أما القول باستحالةِ احتلالِ المكانِ ضمن الديمقراطيات البورجوازيةِ كقاعدة، فليس بموقفٍ ذي معنى. في حين ينبغي معرفة كيفيةِ اتّخاذِ المكان فيها بشروط. ذلك أنّ اللا مبدئية لا تنفعُ سوى في ممارسةِ السياسةِ المزيّفة للطبقة الحاكمة باستمرار.
مِن غيرِ الممكن بتاتاً التغاضي عن حاجةِ السياسةِ الديمقراطيةِ للتنظيماتِ الكادرية والإعلامية والحزبية الكفوءة، ولمنظّماتِ المجتمع المدني، وللنشاطاتِ الدائمة في الدعاية وتعليمِ المجتمع وتدريبه. أما الخصائصُ الضرورية اللازمةُ لممارسةِ السياسةِ الديمقراطية بشكلٍ مثمرٍ وناجح، فيُمكن ترتيبها كالتالي: الموقفُ الذي يَحتَرمُ جميعَ فوارقِ المجتمع، ضرورةُ المساواةِ والوفاقِ على أساسِ الاختلاف والتباين، الاعتناءُ بمضمونِ النقاش بقدرِ أسلوبه، الجرأةُ السياسية، الأولويةُ الأخلاقية، و”الحاكميةُ” على المواضيع، الوعيُ بالتاريخِ والمجرياتِ الراهنة، والموقفُ العلميُّ المتكامل.