سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الإبادة الاقتصادية على روج آفا وشمال وشرق سوريا

8
موقع الجيوستراتيجي –

تعدّ مناطق روج آفا، الممتدّة في الشمال السوريّ، غنيةً بالثروات الطبيعية فمنها الباطنية والسطحية. وكانت ولا تزال  تمدّ سورية بمعظم مواردها، إذ إن نسبة مساهمتها في تكوين الناتج المحليّ الإجماليّ تتجاوز 50%. وبالرغم من ذلك كانت هذه المناطق تعاني من الفقر المدقع نتيجة السياسات الاقتصادية الممارسة ضدها وفق منهجيةٍ إقصائيةٍ أدّت إلى حرمان معظم أبنائها من الاستفادة من الموارد المتوافرة فيها؛ ما أدى إلى حدوث موجات هجرةٍ مستمرّةٍ نحو المدن الكبرى، واستمرّ الحال على هذا المنوال لغاية بداية الأحداث السورية في آذار 2011، عندما بدأت، اعتباراً من ذلك التاريخ، موجة هجرةٍ عكسيةٍ إلى مناطق روج آفا ولكن نتيجة حدوث فراغٍ اقتصاديٍّ لم يتمكن الكثير من العائدين من الاستقرار في روج آفا، ولذلك حدثت موجةٌ أخرى، يمكن تصنيفها ضمن موجة الهجرة السورية الشاملة، نحو باشور وباكور كردستان ومنها إلى أوروبا.
أمام هذا الواقع الاستثنائيّ؛ حاولت الإدارة الذاتية في روج آفا وشمال سوريا وضع أسس منظومةٍ اقتصاديةٍ مميزةٍ وجاذبةٍ للقوى العاملة وللمستثمرين على حدٍّ سواء، وكانت خطوة البداية في السعي إلى تحقيق استقرارٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ واجتماعيٍّ لتشكل الأرضية المناسبة للاستقرار والتنمية الاقتصادية.
يتطلب هذا الأمر النظر إلى مختلف المواضيع السورية من زاويةٍ مختلفةٍ عما هو سائدٌ في عموم سورية. وأعتقد أنه قد تحقق نجاحٌ نسبيٌّ في الانطلاقة الاقتصادية، إذ تضاعف حجم النشاطات الصناعية والزراعية والتجارية في بعض مناطق روج آفا. ولكن؛ ما سبق، وعلى الرغم من أهميته، لم يرتقِ إلى مستوى الاستراتيجيات الاقتصادية. ويجب على الإدارة في شمال سوريا أن تبذل المزيد من الجهود لبناء قاعدةٍ اقتصاديةٍ سليمةٍ وقائمةٍ على أسسٍ استراتيجية. ولن يتحقق هذا الأمر إلا من خلال منح أهميةٍ خاصّةٍ لاستكمال مشروع وضع المنظومة الفكرية المعتمدة في روج آفا.
إن القائمين على الإدارة  في شمال وشرق سوريا باتوا يملكون الخبرة في التعامل مع المواقف السياسية والعسكرية؛ نتيجة تعاملهم لآجالٍ طويلةٍ في هذا المجال. ولذلك؛ كانوا محقين، في روج آفا، عندما اختاروا نهج الخط الثالث، القائم على عدم الوقوف إلى جانب أيّ طرفٍ من أطراف الصراع السوريّ إلا بقدر ما يعترف ذلك الطرف بالقضية الكردية، ويقبل الاحترام المتبادل المستند إلى المساواة بين الأطراف. ونأوا بأنفسهم عبر عدم الغوص في وحل الحرب السورية. وقد ساعدهم ذلك في الحفاظ على البنية التحتية، باعتبار أن كلّ المرافق الموجودة في مؤسّسات الدولة هي ملكهم وليست ملك السلطات الحاكمة.
وقد سهّل تبنّيهم هذا الموقف مهمتهم في تأمين مستلزمات الحياة في عموم مناطق شمال وشرق وسوريا، إذ إن سياسات الإدارة الذاتية كانت الأكثر براغماتيةً في عموم سوريا. إلى جانب ذلك قامت الإدارة الذاتية بتأسيس عشرات المؤسّسات التي تسهم في تحقيق الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وتحقق التنمية في جميع مجالات الحياة. أعتقد أنه ليس بالأمر الاعتياديّ أن نرى مهرجاناتٍ سينمائيةً وفنيةً ورياضيةً وثقافيةً في ظلّ الحرب، وهذا هو ما يحدث في شمال وشرق سوريا تحديداً.
كانت مناطق روج آفا تعاني الكثير في المرحلة التي سبقت الأزمة السورية. وهي بدأت تدخل الآن في مرحلة انتعاشٍ اقتصاديٍّ نتيجة مجموعة عوامل، كالاستقرارين السياسيّ والأمنيّ، وكذلك إتاحة فرص العمل والاستثمار فيها أمام أبنائها وأبناء المناطق السورية الأخرى. لكن، وبالرغم من ذلك، تعاني من حصارٍ مستمرٍّ منذ سنوات؛ بهدف كسر الإرادة التي ظهرت فيها، تلك الإرادة المناقضة لرغبات العديد من القوى الخارجية.
وأدى هذا الأمر إلى ارتفاع أسعار المواد التي لا يتمّ إنتاجها في مناطق روج آفا، إلى جانب انخفاض أسعار المواد التي تنتج فيها، وحدث نوعٌ من الخلل في توازن أسواق السلع المختلفة. ويجب ألا ننسى تأثير انهيار الليرة في عموم سوريا، بما في ذلك روج آفا، فأدّى ذلك إلى ارتفاعٍ جنونيٍّ في أسعار جميع السلع المستوردة، بسبب تدهور سعر صرف الليرة السورية التي ما تزال كامل سوريا تتعامل بها.
بالرغم من كلّ ذلك استطاعت مناطق شمال سوريا أن تكون مصدراً للعديد من المنتجات بالنسبة إلى المستهلك السوريّ، وتمكنت الإدارة الذاتية من جعلها مناطق مميّزةً مقارنةً بغيرها.
لا شك أن اختيار الخط الثالث، والتأسيس لمنهجيةٍ متكاملةٍ سياسياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً، يعدّ أمراً صعباً للغاية في ظروفٍ كتلك التي تمرّ بها سوريا عموماً. إلا أن عدم القيام بمثل هذه الخطوة يعدّ جريمةً في حقّ أبناء روج آفا، لأنه لا تنمية ولا تطوّر دون منهجيةٍ متكاملة، وللوقوف في وجه الإبادة الاقتصادية المُمنهجة التي تمارس بحق شمال وشرق سوريا؛ كان لا بدّ من القيام بخطوةٍ نحو وضع الأسس الاقتصادية لروج آفا وعموم شمال وشرق سوريا وكانت مقولة القائد عبد الله أوجلان: “لنجعل من حياتنا كوميناً للمياه والأرض والطاقة”، أي علينا أن نختار منهجيةً اقتصاديةً تعتمد على التضامن والتشارك، من خلال بناء خلايا اجتماعيةٍ – اقتصادية، وبالاستفادة من وجود المساحات الجغرافية الزراعية والحياة الريفية، وكذلك الصناعات الصغيرة، للوصول إلى نموذجٍ اقتصاديٍّ لا استغلاليّ، إذ يشارك المجتمع كله في العملية الإنتاجية، دون تطبيق سياساتٍ تأميميةٍ تجرّد الملّاك من أملاكهم، على غرار التجربة السوفياتية وبعض الدول المتخلفة.
 لقد كان كونفرانسا الاقتصاد في عفرين ورميلان مثابة استجابةٍ فعليةٍ للتساؤلات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، وإيجاد الأجوبة المناسبة عن تلك التساؤلات. والهدف من عقد الكونفرانسين هو وضع المنهجية الفكرية للاقتصاد في روج آفا أولاً، ومن ثمّ وضع السياسات التنموية في مختلف القطاعات الاقتصادية استناداً إلى المنهجية الفكرية التي بدأت ملامحها تتوضح بعد الكونفرانسين.
أما بالنسبة إلى مدينة عفرين؛ فاكتسبت خصوصيتها الاقتصادية في هذه الظروف من تأثير مجموعةٍ من العوامل، لعلّ أهمها أنها مرّت بظروف حربٍ أقلّ نسبياً مقارنةً مع مناطق روج آفا الأخرى، قبل احتلالها من قبل المحتل التركي ومرتزقته فهي كانت الأكثر حصانةً، كما أنها كانت تتعرّض لحالات حصارٍ خانقٍ من قبل القوى المتطرّفة، وتعرّضت لحربٍ اقتصاديةٍ منهجية، وهي تتمتع ببيئةٍ رائعةٍ تسهم في تطوير القطاع الزراعيّ، وتطوّرت فيها المؤسّسات الاقتصادية بشكلٍ أفضل من مختلف المناطق السورية؛ مما أدّى إلى أن تصبح منطقةً جاذبةً لرؤوس الأموال المادية والبشرية، وكانت تشهد حركةً اقتصاديةً وعمرانيةً لم تشهدها طيلة تاريخها قبل التاسع عشر من تموز 2012. وكان السبب الرئيسي في استهدافها من قبل تركيا ومرتزقتها وكان الهدف تدمير البنية التحتية فيها وسرقة معاملها ومنشآتها، إضافةً إلى تهجير أهلها وتغيير ديمغرافيتها.
بشكلٍ عامٍّ تمكنت الإدارة الذاتية في شمال سوريا أن تخطو خطوات جيدة رغم الحصار على المنطقة، وحالة الحرب السورية كانت السبب الأساسي لهروب الكفاءات العلمية والمهنية والحرفية الماهرة إلى خارج البلاد الأمر الذي أدى إلى احداث خلل ونقص في الكوادر الإدارية والعلمية والحرفية في مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية. من هنا نستنتج أن مشروع الإبادة الاقتصادية على روج آفا لم يشمل فقط إغلاق المعابر والحدود، بل كان الاساس فيها هي إفراغ روج آفا من الأيدي العاملة والكفاءات العلمية البارزة والشابة؛ بغية إفشال مشروع الفدرالية الديمقراطية لشمال سوريا ودمقرطة سوريا.