نساء يَدكنّ عرش داعش

103
فوزة يوسف –
احتفالية النساء في شمال وشرق سوريا في هذه السنة لها سمة فريدة وهي أنها جاءت بالتزامن مع الانتصار على داعش، عدو المرأة الأول.
داعش التي اكتسحت جيوش دول بأكملها قوامها كان من أعتى الرجال تُهزَم اليوم على يد المرأة، فها هي المرأة الكردية والسريانية والعربية والتركمانية  يزفنَّ للإنسانية خبر الانتصار على داعش.
الإرادة الفولاذية التي أبدتها وحدات حماية المرأة أمام داعش والقوى السلفية خلال الفترة الماضية؛ فتحت الطريق أمام تاريخ جديد وثقافة جديدة، أمام رجل جديد وامرأة جديدة، ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة أسيرة المنزل وأسيرة العادات والتقاليد وفاقدة الثقة بنفسها وعبدة للرجل؛ ها هي تشق طريق حياة جديدة لنفسها وتسطر ميلاداً جديداً، ميلاد المرأة التي تعرف كيف تعيش وكيف تحارب وكيف ترفع مجتمعا من الحضيض إلى أعلى درجات السمو.
نعم، قوة الخلق عند المرأة قوية إلى درجة أن السياسة الممنهجة التي مورست عليها  لآلاف السنين؛ لم تتمكن من القضاء عليها؛ هذه القوة الكامنة كانت تنتظر الأرضية الملائمة حتى تخرج وتعبّر عن نفسها من جديد، وثورة روج آفا كانت التربة الملائمة لتقوم المرأة بدورها في عملية الخلق هذه.
مرة اخرى؛ في جغرافيتنا، قد تم برهنة أن التاريخ عملية حية ويسير عبر الأجيال دون أن نكون ذو وعي به، فأرض الآلهات كانت حبلى وبشكل دائم بانبعاث جديد للنساء وها نراه يتحقق الآن، فآثار عشتار وإينانا وزنوبيا كانت لا بد أن تزهر من جديد، وها هي تتحقق بلغة جديدة، بجيل جديد وبمسيرة جديدة. حالة التقزم التي كانت تحكمنا كانت مثل لباس ضيق يخنقنا ويدفعنا بشكل دائم نحو أمر كان يجب أن يتحقق. نعم، فكيف أن النبتة تخضر وتنمو اعتماداً على جذورها، نساء الرافدين أيضاً حققن انطلاقة جديدة اعتمادا على ميراث جداتهن.
ما تقوم به نساء الرافدين هوانتقام تاريخي لكل النساء اللواتي تعرضن للظلم والاغتصاب؛ بدءاً من الآلهة تيامات التي قتلت على يد ابنها الجشع مارودك وحتى نساء شنكال. وحدة النساء من كل الهويات في ساحة ٨ آذار، وتكاتفهن ضد داعش في الجبهات وفِي البناء المجتمعي، في كل الساحات، هو أكبر إنجاز تحقق خلال السنوات السبع الماضية.
خلال هذه الفترة تجاوزنا الكثير من القوالب والتابوهات التي كانت تقيد أفكارنا وعواطفنا وحياتنا، كسر هذه القوالب لم  يكن وليس بالأمر السهل؛ لأنها قد وصلت لحالة تكلس عقلي وضمور.
مشاركة النساء في الكثير من مناحي الحياة؛ أظهرت حقيقة أن كل ما أطلقه العقل والفكر الذكوريين من أحكام بحق المرأة قد ضربت بعرض الحائط، ودخول المرأة في كل المجالات التي كانت حكراً على الرجل كان بحد ذاته انكسار للكثير من القوالب الفكرية التي كانت تحكم عقولنا. أن تحول المرأة إلى محاربة، قائدة عسكرية، رئيسة ، سائقة، وإلى سياسية؛ أدى إلى إعادة ثقة المرأة بنفسها وثقة المجتمع بها. انه إنجاز رائع ليس بالنسبة للمرأة فحسب، بل للرجل أيضاً.
باعتقادي أن ما تحقق بقدر ما هو ثورة بالنسبة للمرأة فهو ثورة الرجل أيضاً. الرجل أيضاً عاش مع هذه الأحداث والتطورات التي حصلت في جبهة المرأة؛ كان تغييراً جذرياً قلبَّ الرأس على العقب. صيرورة المرأة هذه أثرت على شخصية الرجل أيضاً، حيث تم كسر الكثير من الأصنام التي كان الرجل يعبدها، أولها صنم الرجولة الكلاسيكية، وثانياً صنم النظرة الدونية للمرأة، وثالثاً صنم الأدوار الاجتماعية التقليدية. وبالطبع هناك المئات من الأصنام. بالنهاية الرجل أيضاً عاش وما زال يعيش حالة تحول يومية؛ نظرا لما يحدث من تطورات جذرية في وضع المرأة وهذا أيضاً إنجاز كبير يمكن لمجتمعنا ان يتباهى به؛ لأنه بقدر ما تكون العلاقة بين الرجل والمرأة ندّية ومفعمة بالحرية؛ يمكن ان يتم بناء مجتمع صحي وسليم.