الانتخابات في تركيا

41
إلهام أحمد –
أيام عدة بقيت على الانتخابات التركية، حتى الآن وحسب الاستبيانات التي تنظمها أطراف قريبة من حزب العدالة والتنمية وأخرى مستقلة، يبدو الفرق في الاستبيانات بسيط، فهي تشير إلى انتصار حزب العدالة والتنمية بفارق بسيط، علما أنَّ الحزب المذكور يضع كلَّ ثقله على هذه الانتخابات، فالحملة التي قام بها على عفرين يدعي أنها كانت لأجل الانتخابات، والهجوم الذي يشنه على باشور كردستان أيضا لكسب الأصوات بالانتخابات. لا غريب في كل ذلك أنْ تسعى حكومة أردوغان للحصول على غالبية الأصوات ليشكل الحكومة لوحده. لكن الغريب بالأمر، أنَّ كلَّ الحكومات التي تتعرض سيادة بلادهم لخطر الانقسام بسبب حملات الهجوم هذه، وهي لا تحرِّك ساكناً، وتنظر للموضوع كأمر طبيعي، لو نقلب الأمر بشكل معاكس وقامت الحكومة العراقية بالتعدِّي على حرمة الأراضي التركية ماذا كانت ستفعل الحكومة التركية مقابل هذا الهجوم بالتأكيد كانت ستقيم القيامة وما كانت تقعدها، هكذا أيضا هجومها السافر على حرمة سيادة الأرض السورية، سواء أكان في عفرين أم في المناطق السورية الأخرى. الأمر الغريب الآخر، هو أنَّ القيام بحملات عسكرية خارج الحدود التركية يكسبه الأصوات، فأي جماهير هذه التي تؤيد حزب يرتقي على جماجم الأبرياء، وأي شعب يكسب المعنويات من سكب دماء أناس يبحثون عن الأمان والاستقرار وأي شعب يتلذذ من استقبال جنازات أبنائهم الذين قتلوا في معارك غير عادلة. نعم هذه هي حقيقة الشعب الذي خلقه أردوغان والأحزاب القوموية الأخرى باسم الوطن الواحد واللغة الواحدة والعلم الواحد.
في عام ١٩٩٠م عندما قامت حكومة صدام حسين بالهجوم على الكويت، هبَّ الغرب والأمريكان للدفاع عن سيادة الأراضي الكويتية، وكان الجواب الصارم لها في ٢٠٠٣ عندما بدأ الأمريكان بالهجوم على حكومة صدام علما أن أردوغان لا يختلف عن صدام بشيء، الصفة الأساسية في الشخصيتين هي الديكتاتورية. لماذا لا يُعاقب أردوغان لا على تحركاته السافرة في المنطقة والتعدي على حدود البلاد المجاورة؟
من خلال قراءتنا لهذا المشهد نفهم أن أردوغان يخدم مشاريع دولية لن يكون هو المتحكم بها في المراحل المقبلة. لكنها؛ مخططات خطيرة، فعملياً تركيا خرقت القوانين والمواثيق الدولية، وأزالت الحدود السياسية بين هذه الدول، وهي تلحق أراضٍ بحدود دولتها على حساب الدول الأخرى، ولا أحد يُحرِّك ساكناً. مع الأسف يظن الجميع أن الهجوم التركي يستهدف حزب العمال الكردستاني ولمجرد القضاء عليه سيخرج من هناك، علماً أنَّ الدولة التركية ليس من عادتها أن تدخل منطقة ومن ثم تخرج بعد الانتهاء. هناك أمثلة كثيرة، البعشيقة هي الحقيقة الواضحة التي تظهر نية الحكومة التركية في العراق وسورية، حتى الآن لم تستطع حكومة العبادي إخراج الأتراك من البعشيقة، وهكذا هي مناطق باشور كردستان أيضا، وكذلك الأمر في قبرص.
هذا يعني أنَّ الهجوم على حزب العمال الكردستاني ما هو إلا حجة تستخدمها الدولة التركية لاحتلال أراضي دول الجوار، إضافة إلى أنَّ الهدف من حملات الهجوم هذه هي إنهاء الوجود الكردي وقضيته من خلال تصفية حزب العمال الكردستاني، لأنه فيما بعد سيأتي دور الأحزاب الكردستانية الأخرى أيضا. أي أنَّ حكومة العدالة والتنمية لا تفرق بين الأحزاب الكردية.
الانتخابات أيضا تعتبر الفرصة الأخيرة بالنسبة لأردوغان كي يُمدد فترة سلطته في تركيا، ويبدو أنَّ القوى الدولية أيضا أعطته الفرصة كي يجمع الأصوات بالأسلوب الذي يريده، ولا يلقى اعتراضا عليه.
يبدو أن الوضع السوري خلق المخاوف لدى الدول، علماً أنَّ سورية تحولت لمستنقع للقضاء على الإرهابيين في العديد من دول العالم إلى جانب أنَّها أصبحت البلد الذي ينتج الإرهابيين ويُصدِّرهم للعالم عبر تركيا. في عهد حكومة أردوغان حوَّلت تركيا لدولة راعية للإرهاب ومصدرة للفاشية، ويحدث هذا أمام أنظار العالم، وهذا يعني أنَّ ما تقوم به الحكومة التركية يخدم مشاريع العديد من الدول في المنطقة، وبالتالي تلك الدول ستكون هي المستفيد الأوَّل والأخير.
ما الذي سيحدث بعد الانتخابات وما هي التداعيات على دول الجوار وبخاصة سورية؟ إنَّ نجاح أردوغان أو فشله بالنتيجة تركيا دولة متأزمة جداً، وهي حبلى بالقضايا والمشاكل الداخلية على الصعد كافة. والاستمرار بحالة الطوارئ يؤزِّم الوضع ولا بد أن تنتهي حالة الطوارئ في يوم من الأيام وبخاصة مرحلة ما بعد الانتخابات، وإلا فلن تكون قادرة على الاستمرار على حالة الطوارئ ولا بد أن تلغيه، وإن تخوَّفت من إلغائه أيضا ستكون هناك قضايا تنفجر. لذا؛ تبقى تركيا أمام خيارين، إما أن تلغي الانتخابات أو تستمر فيه وكلا الحالتين تعتبر مشكلة بالنسبة لها. وفي كلا الحالتين؛ الفوز بالانتخابات أو عدمه، ستحاول تركيا القيام بحملات جديدة في المنطقة غير معلوم وجهتها. وبالنتيجة حالة الفوضى وعدم الاستقرار ستكون مستمرة وقد تطول لأعوام. لهذا لا بد من وضع حد للديكتاتور الذي لم يعد يعرف حدوداً لنفسه.
هنا يظهر دور الإرادة المحلية سواء أكانت في سورية أم العراق، فرفض مشاريع أردوغان بشكلٍ منظم من قبل الشعب العراقي بكرده وعربه وآشوره وسريانه وتركمانه قضية مهمة للغاية. أيضا إظهار الإرادة الشعبية في سورية من قبل كافة المكونات أيضا هام جداً. فيجب عدم السماح لتركيا أن تفعل ما تشاء في هذه البلاد. ويجب الضغط على الرأي العام لإبداء موقف تجاه التحركات التركية الخطيرة في المنطقة.