إلى أين ينتمي بوزون هيغز؟

107
إن بوزون هيغز لا يتوائم بشكلٍ كافيٍ مع بقية الجسيمات في النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات.
فلو كنت لوك سكاي-ووكر في فلم “ستار وارز” وكنت تحمل على ظهرك معلم الجيداي الأخضر الصغير خلال مسيرك في أدغال كوكب داغوب لمدةٍ من الزمن، فستتمكن في النهاية بعد التدريب من رفع طائرتك الحربية “إكس وينق” من المستنقع فقط باستخدام القوة.
أما لو كنت بوزوناً في النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، فبإمكانك تجاهل فترة التدريب تلك لأنك أنت القوة بذاتها.
البوزونات هي الجسيمات التي تحمل القوى الأساسية الأربعة. وتسحب وتدفع هذه القوى ما كان ليصبح حساءً غير عمليٍ من الجسيمات ليشكل فسيفساءً جميلةً من النجوم والمجرات لتكون الكون المرئي.
تبقي تلك القوى الأساسية البروتون مستقراً بشكل لا يصدق (فالقوة النووية القوية تبقي البروتونات مع بعضها البعض) وتتسبب بتوجيه البوصلة إلى الشمال (القوة الكهرومغناطيسية تجذب إبرة البوصلة)، وتسبب بسقوط التفاح من على الشجر (قوة الجاذبية تجذب الفواكه إلى الأرض)، وتحافظ على بقاء الشمس مشعةً (القوة النووية الضعيفة تسمح بحدوث الانصهار النووي).
تم الاعتراف رسمياً بأن جسيم هيغز أصبح فرداً في عائلة البوزونات الأساسية في عام ٢٠١٢ مـ. وقد تم إدراج جسيم هيغز في قائمة البوزونات بسبب إحدى خصائصه الكمومية والتي تسمى الدوران، حيث تمثل زاوية الطاقة الحركة الداخلية للجسيم وتصف كيفية تعامل هذا الجسيم مع بقية أفراد النموذج القياسي.
للبوزونات دورانٌ قيمته أعدادٌ صحيحةٌ (٠،١،٢)، مما يجعلهم من النوع المنجذب على الآخرين، فهم ليسوا بحاجة إلى فضاء خاص بهم كما في الفيرميونات. فالفيرميونات لديها دورانٌ قيمته أعداد كسرية (١/٢، ٢/٣، …)، مما يجعلهم أكثر انعزالاً بقليل، فهم يفضلون بقاء مسافةٍ كافيةٍ بينهم وبين بقية الجسيمات.
لجسيم هيغز دوران يساوي الصفر، مما جعله بوزوناً بشكلٍ رسميٍ.
يقول مساعد البروفيسور في قسم الفيزياء في جامعة نيويورك كيلي كارنمير: “إن كلّ بوزونٍ مرتبطٌ بإحدى القوى الكونية الأربعة.” وأضاف: “إذا اكتشفنا وجود بوزونٍ جديدٍ فمن الطبيعي أن نجد قوةً جديدةً.”
يعتقد العلماء بوجود قوةٍ للهيقز. ولكن العلاقة بين بوزون هيغز وقوة الهيقز تجعله يبدو كوصمة عارٍ. ولهذا السبب يتم رسم بوزون هيغز منفصلاً عادةً عن بقية أفراد عائلة البوزونات عند إضافته في النموذج القياسي.
في ماذا يفيد جسيم هيغز؟
إن بوزون هيغز مسؤولٌ عن إثارة مجال هيغز، والذي يتفاعل مع بعض الجسيمات الأولية ليكسبها كتلتها.
يقول الفيزيائي النظري في جامعة هارفرد مات سترسلير: “تعد الطريقة التي يمنح بها مجال هيغز الكتل للجسيمات خاصيةً فريدةً، والتي تختلف عن جميع المجالات المعروفة في الكون.” وأضاف: “عندما يعمل مجال هيغز، فإنه يغير بيئة جميع الجسيمات، ويغير طبيعة الفضاء الفارغ. والطريقة التي تتفاعل فيها الجسيمات مع هذا المجال تعتمد على الخصائص الجوهرية للجسيمات.”
هنالك ثلاثة شروطٍ لازمةٍ في أيّ مجالٍ لكي يُولّد قوةَ: يجب أن يكون المجال قادراً على أن يعمل وأن يتوقف عن العمل، ويجب أن يكون له اتجاهٌ مفضلٌ، ويجب أن يكون قادراً على أن يجذب وينفّر.
لا يحقق مجال هيغز أول شرطين في العادة، فهو يعمل دائماً بالإضافة إلى أنه لا يمتلك اتجاهاً مفضلاً. ولكن المجال تشوه في وجود بوزون هيغز، مما يتيح له نظريا بأن ينتج قوةً.
يقول ستريسلر: “نحن نعتقد أن بإمكان جسيمين أن يدفع أحدهما الآخر بواسطة مجال هيغز.” وأضاف قائلاً: “إن بنفس المعادلة التي استخدمناها في توقع وجود بوزون هيغز وكيفية وجوب أن يضمحل إلى جسيمات أخرى تتنبأ أيضا بوجود تلك القوة.”
أما عن ماهية الدور الذي ستلعبه هذه القوة في فهمنا الأكبر لهذا الكون يبقى لغزاً غامضاً …
يقول سترسلر: “نحن نعلم أن مجال هيغز جوهريٌ في تكوين للمادة المستقرة.” وأضاف: “ولكن قوة هيغز ليست كذلك كما نعلم حتى الآن.” فقد تكون قوة هيغز مهمةً بطريقةٍ أخرى. فمن الممكن أن يكون لهذه القوة علاقةٌ بمقدار الطاقة المظلمة الموجودة في الكون، أو عن عدم الاتزان الهائل بين المادة والمادة المضادة.” كما قال أيضاً: “من المبكر جداً أن نشطبها.”
يتطلع الفيزيائيون خلال دورة تشغيل الحالية لمصادم الهادرونات الكبير لإنتاج ما يقارب عشرة أضعاف أعداد بوزونات هيغز الناتجة في أول عملية تشغيل. مما سيتيح للعلماء أن يختبروا خصائص هذا الجسيم الغريب بشكلٍ أعمق.