آستانة وإدارة الأزمة بالأزمة!

43
 فوزة يوسف –

عُقِدت جولة جديدة من جولات آستانة الاسبوع الماضي، وخرجت بعدة بنود وقرارات. المثير للانتباه هو أن أغلب هذه البنود و القرارات أكدت على وحدة الأراضي السورية، وهذا أمر جيد. ولكن؛ ثمة معضلة كبيرة هنا، وهي أن اجتماعات آستانة المتتالية كانت أكثر من ساهم في تشظي الجغرافيا السورية وأكثر من عرّضَ وحدة سوريا أرضاً وشعباً للتقسيم والتجزئة.
 فاحتلال عفرين من قِبل الدولة التركية كان أحد مخرجات آستانة، و دخولها لإدلب، وقبل ذلك غزوها لكل من جرابلس وإعزاز والباب كانت كلها من مخرجات آستانة. وحصل كل ذلك نتيجة اتفاق روسي – تركي. لذا؛ فإن أطراف اجتماعات آستانة هم آخر من يحق لهم أن يتحدثوا عن وحدة تراب سوريا.
هنالك بند أيضاً يؤكد على أنه يجب محاربة داعش وجبهة النصرة والقاعدة. ولكن؛ الطريف في الأمر أن تركيا قد جاورت كلا من داعش والنصرة على حدودها الجنوبية وكذلك داخل الأراضي السورية لسنوات عدة، حيث كانت علاقات حسن الجيرة هي السائدة بينهم، وكانت هذه الفصائل المتطرفة – وما زالت – تستخدم الاراضي التركية ممراً لها نحو العالم الخارجي وعمقاً استراتيجياً لنشاطاتها وعملياتها وتمويلها. وعندما شعرت بالخطر عليهم، تدخلت تركيا لإطالة عمرها من خلال اتفاقيات الهدنة والمناطق منزوعة السلاح كما هو في إدلب اليوم. بمعنى أن هذا البند أيضاً قد اُنتِهك من قِبل أحد ضامني آستانة وهي الدولة التركية.
هذا والأعظم من ذلك هو قرارهم المتعلق باللجنة الدستورية على الرغم من أن هذا القرار يعود في الأساس إلى اجتماع سوتشي. لكن؛ من أجل ألا تتشكل اللجنة الدستورية يقوم ضامنو اجتماع آستانة باستخدام الفيتو؛ أي أن المماطلة هي التكتيك الذي تتم ممارسته من قِبل قوى آستانة بهذا الخصوص أيضاً.
وأخيراً قراراهم الذي يثني على جهود  دي مستورا وفي الحقيقة هو قرار فيه استهزاء بذكاء العالم؛ لأن ضامني آستانة فعلوا كل ما بوسعهم ليمنعوا دي مستورا عن القيام بدوره حتى و صل إلى درجة اليأس ومن ثم الاستقالة. ولكن؛ من ناحية أخرى لديهم الحق في أن يفعلوا ذلك  فدي مستورا لم يخرج عن طوعهم وحقق لهم كل ما طلبوه في فترة ممارسة مهمته. وها هو يترك عمله بعد مماطلة طويلة الأمد.
تبقى الإشارة إلى أن كل القرارات التي اتخذتها أطراف آستانة لم تخرج عن اتفاق صلب بقدر ما خرجت لحفظ ماء الوجه بين الأطراف المعنية، وما ثبت صحته حتى الآن هو أن آستانة لم تحقق شيئا للسوريين بسبب غياب طرف يمثل إرادة السوريين وكل ما يخرج عنها هو قرارات وتفاهمات تُفرض على السوريين ولا تفعل شيئاً لهم سوى أن تزيد جرحهم عمقاً.
بناء على ما سبق؛ يبدو أن سياسية إدارة الأزمة بالأزمة ستستمر حتى إشعار آخر ومازال أمامنا شوط طويل من الحروب وعدم الاستقرار، ولن يحصل أي تطور نوعي لا في  مسألة إدلب ولا في مسألتي الدستور والمفاوضات؛ إلا إذا ظهر أمر طارئ غير موجود في حساباتهم.