سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ستبقى الشهيدة “هفرين خلف” أيقونة السلام رغماً عن المحتل ومرتزقته

تقرير/ غزال العمر    –

روناهي/ جل آغا- بعيونٍ لم تعرف الانكسار وقلبٍ مؤمنٍ بالأمل، وموقنٌ بانتصار الحق؛ كانت الشهيدة هفرين خلف ابنة ناحية ديرك تمارس مهامها التي استلمتها كأمين عام لحزب سوريا المستقبلوالتي طالتها يد الغدر لتفارقنا جسداً، وتبقى روحها بيننا حائمة كحمامة تبحث عن السلام في وطنها.
الشهيدة هفرين خلف كانت الأمين العام لحزب سوريا المستقبل، واستهدفت بسبب فكرها النضالي الحرّ، ورسالتها الإنسانية التي دعت فيها لوحدة الشعوب السورية؛ ها قد بات يفصلنا عن ذكرى استشهادها أقل من شهر؛ لنستحضر تلك الجريمة الشنيعة التي قام بها عدو لا يعرف إلاّ هذا النهج الدموي.
تفاصيل عن طفولة الشهيدة هفرين..
فما كان من صحيفتنا روناهي إلا أنّ توجهت لمنزلها، ولقاء والدتها التي عادت مؤخراً من أوربا لتتطلع على آخر مستجدات القضاء، وأقوال المحامين الذين تبنوا قضية الشهيدة هفرين، واعتبروها رمزاً للسلام لكلّ نساء العالم.
استقبلتنا الأم سعاد محمد والدة الشهيدة هفرين خلف التي تدخل عقدها السادس، وقد توشحت بثيابها السوداء؛ لكن النور يحيط بها من كلّ جانب، نعم أنّه نور الفخر بشهادة ابنتها، حيث وصفت هفرين في بداية حديثها قائلةً: “لم تكن كردية فقط ولا عربية ولا سريانية؛ هفرين كانت كلّ الشعوب السورية لأنّها حملت حبّ الوطن بكلّ أطيافه بقلبها”.
هفرين من مواليد ديرك 1984م كانت الابنة التي انتظرتها الأم بعد أربع أولادٍ ذكور؛ لتكون فرحتها بولادة الياسمينة عارمة، بحسب تعبيرها.
“فرحتي كانت كبيرة عندما رأيت هفرين بلباسها المدرسي لأول مرة”، بهذه الكلمات بينت الأم سعاد كم كانت ابنتها هفرين طالبة مميزة محبوبة في المدرسة من قبل رفاقها ومعلميها؛ مبينةً بأنها كانت اجتماعية جداً، وعن ذكريات هفرين الطفلة قالت الأم مبتسمةً ابتسامة يخالطها الشوق: “لا أنسى يوم جاءت تبكي، حيث مزق لها رفاقها جلاءها المدرسي؛ فما كان مني إلاّ أنّ لصقته واحتفظت به ليومنا هذا، وحضنته حينها وقلت لها: “ستكونين مميزة ومتفوقة دائماً حتى، وإن قطعوا شهادتك”.
كما وكانت تشارك بالمسابقات على مستوى الحسكة في مادتي اللغة الإنكليزية والرياضيات لتميزها بهما، وفي كلّ مرة كانت تعود بها تسألها أمها من نجح في المسابقة؟ فتشير لنفسها مبتسمةً “ابنتك”، على حد وصف الأم سعاد.
درست في كلية الهندسة المدنية بحلب
واستمر تميز هفرين واجتهادها إلى الشهادة الثانوية، ولظروف خاصة رفضت الأم الإفصاح عنّها مرت بها العائلة لم تحصل هفرين على علامة الطب الذي كان حلمها؛ فكانت الهندسة المدنية خيارها الثاني، وبالفعل سافرت الشابة الطموحة لحلب؛ لتفارق أمها لأول مرة جسداً لكن روحها كان في كل ركن من البيت، حسب تعبير الوالدة سعاد.
وأردفت: “تخرجت ابنتي، وأصبحت مهندسة في عام ٢٠٠٩م؛ لكنّها كسائر السوريين جلست في البيت بلا عمل”.
وأضافت الأم سعاد بأن هفرين قامت بنشاطات مسرحية باللغة الإنكليزية في المركز الثقافي في ديرك، وكانت تذهب دون الخضوع لتدريبات، وقدمت مسرحيات عن حقوق الإنسان ومجزرة “حلبجة”، ونوهت: “وما أنّ حطت الحرب أوزارها، وقرع المحتل التركي طبوله الهمجية بحق شعوب شمال وشرقي سوريا حتّى بدأت هفرين نشاطها الحقوقي في تبني الدفاع عن حقوق الإنسان، والوقوف بوجه العدوان التركي والظلم البشري، فهي طمحت دوماً لرؤية سوريا الديمقراطية بكلّ شعوبها”.
حملت بقلبها حبّ وغيرة على أبناء وطنها
ونوهت الأم سعاد بأنّ ابنتها عملت في هيئة الاقتصاد بقامشلو بين عامي 2015 – 2017 م، واسترسلت: “قلت لها يوماً مازحةً يا ابنتي إنّنا نعاني من مشكلة الكهرباء فهلّا اشترينا مولدة؟! فقالت لي: “أمي أنا لا أريد كهرباء بدون جيراني وأهل حارتي؛ إما أن نحصل عليّها جميعاً وإلاّ فلا داعِ لها”، فشعرت يومها بأنّ ابنتي تحمل بقلبها حبّ وغيرة على أبناء وطنها؛ جعلني فخورةً بها أكثر.
أما عن مواجهتها لسياسة المحتل التركي الاقتصادية العدوانية، وضحت الأم سعاد: “لا أنسى يوم حرق المحتل مزرعة خالها بعين ديوار في الهجوم الأخير على سري كانيه فقالت لي: “سنزرع بيوتاً بلاستيكية من عين ديوار إلى الطبقة بالخضار، ولن نركع للعدوان أو نستكين ونضعف”.
“لا تشتاقي لي واهتمي بعملك”
مارست همرين بعد ذلك العمل السياسي ضمن حزب سوريا المستقبل حيث أصحبت الأمين العام للحزب بتاريخ 18/3/ 2018م، فزادت بذلك مسؤوليتها تجاه الشعوب السورية ككل.
تؤكد الأم سعاد بأن هفرين كانت نشيطة محبّة لعملها لا يثنيها شيء عن القيام بواجبها، وهي شجعتها بشكل دائم أثناء رحلات سفرها الطويلة؛ فهي كانت غالباً خارج المنزل بحكم عملها ولأن الحزب كان حديث العهد وطموح ابنتها كان كبيراً؛ لبناء سوريا موحدة ديمقراطية لا مركزية؛ رغم الانقسامات القومية والدينية، والمذهبية التي تشهدها الحرب السورية منذ سنوات.
“هفرين ابنتي لا تشتاقي لي واهتمي بعملك”، بهذه الجملة شجعت الأم سعاد ابنتها؛ لترد هفرين بكلّ ثقة عليها: “أمي أنتِ وعملي بقلبي وسأشتاق لك”، بحسب الأم سعاد.
ما أعظم هذه الأم التي جادت بمشاعر الأمومة وهي صامتة تخبئ بداخلها بركان حبّ وحنان لابنتها؛ لكنّها فضلت أنّ تكون قوية أمام أمومتها؛ لتمنح ياسمينتها الصمود والإرادة، والصبر لتقدم المزيد لهذا الوطن.
“أحزانهم الحمراء أقوى من بقية الألوان”
كانت الشهيدة هفرين خلف تشعر بالشعوب السورية كما هو مشهود لها، وكما أكدت والدتها مبينةً أن أوضاع قاطني المخيمات كان الشغل الشاغل لهفرين؛ فكم من مرة زارتهم في عين عيسى، لتردد دوماً: “دمرت الحرب في سوريا أماكن طفولة الملايين من السوريين الذين ضمتهم المخيمات كعين عيسى وغيرها؛ لذا اقترحنا أن نهدي ساكني الخيم شجرة صغيرة يزرعونها أمام خيمهم ويعتنوا بها؛ لتكون ذكرى منّهم بعد مغادرتهم باتجاه منازلهم ومدنهم ستكون خضراء جميلة في أرض ضمت أحزانهم وتشردهم، ثم أكملت هفرين بحزن يرافقه الأمل: “ربما كانت أحزانهم الحمراء “كنايةً عن دماء الأبرياء في الحرب الدائرة بالبلاد” أقوى بكثير من بقية الألوان”.
كلمات مؤثرة ناشدت بها هفرين ضمير العالم للنظر في أوضاع النازحين والمهجرين السوريين ستبقى محفورة بقلب والدتها، ولا زال الحقوقيون والنشطاء يرددونها.
عمد المرتزقة إلا أن يخطفوا “حمامة السلام” كما يطلق عليها أبناء شعبها لتستشهد الشابة التي أرهبت الاحتلال التركي ومرتزقته “مما تسمى بالجيش الوطني السوري”؛ بفكرها وبطموحها الذي لم يعرف حداً للتفانِ والوفاء لأرضها وشعوب المنطقة.
الأم في وداع ابنتها الأخير..
أكدت الأم التي لا تصدق إلى اليوم بأنّ ابنتها رحلت؛ أن هفرين قطعت إجازتها التي كان من المفروض أن تستمر ثلاثة أيام، وقالت: “حاولت منعها فقالت لي: “أمي يرضيك أن يقال عن ابنتك خائنة”، نعم إنه نداء الوطن لبته الشابة دونما خوف من المحتل الهمجي ومرتزقته والوضع الأمني السيء الذي رافقه العدوان على مناطق شمال وشرقي سوريا؛ لكن الوالدة كان قلبها دليلها؛ حيث ذكرت: “طلبت منها أنّ أذهب معها فرفضت، وقالت “ستريني على شاشة التلفاز يا أمي من الرقة”، حيث كانت مدعوة لتسجيل برنامج تلفزيوني مهم”.
وتابعت: “نزلت معها إلى الشارع وفتحت لها باب السيارة لأول مرة، وأوصيت سائق السيارة فرهاد رمضان الذي رافقها لأول مرة وقلت له: “انتبه لابنتي واحميها، وأذكر بأني لم أدخل البيت حتى اختفت السيارة من أمام عيني”.
ياسمينة السلام لم تسلم من وحشيتهم..
ليكون المصاب الجلل بتاريخ 12/10/2019م، بانتهاك سافر بحق المرأة من قبل العدوان التركي ومرتزقته، لتكون هفرين خلف شهيدة الحق والحقيقة التي أرعبتهم، حيث استشهدت مع سائقها على يد مرتزقة الاحتلال التركي مما تسمى بالجيش الوطني السوري وهي تقول آخر كلمة لها بأنها “تمثل حزب حرّ”.
اغتالو الياسمينة السورية بشكل وحشي وإجرامي، عشرين رصاصة لم تشف غلهم وحقدهم على امرأة نادت بالسلام؛ ليمثلوا بجثتها ويضربوها بأشياء صلبة وحادة كما صرح الأطباء، ظناً منهم بأنهم وأدوا السلام، ولكن هيهات فقدر سار على درب هفرين آلاف الياسمينات.
“نظرة التحدي للنساء المقاومات ترهب المحتل”
أما عما كان يخيف النظام التركي الفاشي من الشهيدة هفرين خلف خاصةً، ونساء شمال وشرقي سوريا عامةً اللواتي لازلن هدفاً له ولمرتزقته، فقد شددت الأم سعاد محمد والدة الشهيدة هفرين خلف: “أنه بريق الحياة فنظرة التحدي والثقة والإرادة لدى نساء شمال وشرقي سوريا، فالمرأة إن قررت تستطيع صنع المستحيل، وهذا ما يخيفهم منَا”.
ربما كان الوقت أقصر من أن ترى الشهيدة هفرين خلف حلمها برؤية سوريا تعددية لا مركزية تحتضن جميع شعوب المنطقة يعيشون بأمان على ربوعها مجسداً على أرض الواقع بحياتها، لكن من المؤكد أن روحها راقب ذلك الحشد الشعبي الذي التف حول جثمانها من كرد وعرب وسريان وغيرهم؛ في قلب مدينتها ومسقط رأسها ديرك؛ لتشيع إلى مزار الشهيد خبات؛ فما عجز عنه السياسيون يحققه الشهداء أثناء تشييعهم؛ هفرين خلف ياسمينة السلام والحزن الأحمر رقد جثمانها الطاهر بسلام على أرضها وبين شعبها ليذكر الشعوب السورية اسمها للأبد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.