سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

٤٣عاماً ألبست أنوثتها قِناعاً رجولياً لتحافظ على طفلتها!!!

إعداد/ غزال العمر –
روناهي/ جل آغا- المرأة المصرية ذات إرادة قوية ومتكيّفة مع بيئتها بالرغم كل الصعوبات التي تواجهها في مجتمعها لتبقى مصر أم الدنيا والحضارات، أم النساء الفاضلات اللواتي سطرنَ أروع السطور في صفحات الزمن.
عملت المرأة المصرية في الزراعة جنباً إلى جنب مع الرجل وفي التجارة، ودخلت كل ميادين الحياة الثقافية والعملية، كما إنها أدارت المنطقة، وحكمت بلادها منذ عهد الفراعنة كـ “كليوباترا” و”نفرتيتي” واستطاعت أن تثبت قدراتها،  ولا تزال المرأة المصرية نموذجاً يحتذى به. لكن أن تطمس امرأة مصرية من مدينة الأقصر جنوبي مصر أنوثتها مضحيةً بها من أجل ابنتها الوحيدة، وهذا أمرٌ ليس ببعيدٍ عن المرأة التي جُبلت على العطاء ولا زالت بالرغم من كل التطورات التي وصلت إليها تناهض الذهنية الذكورية في مجتمعها.
 توفي زوجها باكراً ليترك مولودته في شهرها السادس ببطن أمها، وما إن جاد الله على هذه المرأة الحجة “صيصة جابر النمر” بمولودتها حتى تحدت هذه المرأة كل ظروفها، وعاندت إخوتها الذين حاولوا إجبارها على الزواج وإعطاء تلك المولودة الطفلة التي لا حول ولا قوة لها لذوي زوجها المتوفي؛ لكنها صمدت، وواجهت مجتمعاً بأكمله ضاربةً بعاداتٍ، وتقاليدٍ  أكل الدهر عليها وشرب عرض الحائط. منعتها أمومتها من ترك ابنتها وقادتها للتضحية لكنها لم تكن تضحية عادية.
خشيتها من المجتمع الذكوري
تناقلت قنوات التلفزة المصرية خاصة، والعربية عامة قصة هذه المرأة، وتداولتها بكثرة حيث كان لها صدى كبيراً في الإعلام لأنها كُرمت كأول أم مثالية في مصر من قبل الرئيس، والحكومة المصرية التي احتضنت، ورعت هذه الأم التي عاشت الأبوة، والأمومة من خلال “كلابيتها”، وعمامتها الرجالية التي لبستها ٤٣ عاماً، وهي تلبس لباس الرجل، وتقول حسب ما صرحت به لقنوات التلفزة بأنها كانت مجبورة أن تلجأ لهذه الطريقة في العيش بسبب الظروف القاسية التي دفعتها لهذا العمل، ودفنت الأنثى التي بداخلها خوفهاً على ابنتها من أن تؤخذ منها، وقلة فرص عمل الأنثى، بالإضافة إلى خوفها من المجتمع الذكوري الذي لن تسلم من براثنه.
“كنت أمام أمرّين أحلاهما مر”
هنا يتسأل المرء كيف تعايشت مع التنمر، وكيف فكرت بالتغلب على هذا الأمر؟؟ فكان الجواب بأنها لجأت لهذا التصرف لتحمي نفسها، وابنتها في ظل مجتمع ذكوري سلطوي. حيث أوضحت الحجة “صيصة جابر النمر” قائلةً: “كنت أمام أمرّين أحلاهما مر”. بالنسبة لها كان أما أن تتزوج وتترك ابنتها، أو تعيش هي وابنتها منبوذتان من قبل عائلتها حيث لا سند ستستند عليه، ولكن غريزة الأمومة كانت طاغية. أما عن التنمر الذي تعرضت له فقد قالت الأم “صيصة” أن كلام الناس لا يعنيها وبأن علاقتها بربها لا طرف ثالث سيدخل فيها وبأن الله يعلم كل شيء.
تركت للناس حياتهم، وجعلت حياتها ابنتها
رأت صيصة النمر في هيئة الرجل الملاذ، والمفر، وألبست أنوثتها قناعاً رجولياً، وعمامة رجالية، وجالست الرجال، وعملت في أعمالهم فحملت مواد البناء على ظهرها، وجربت شتى المهن وتتقدم بها السنين وباتت الأنثى رجلاً دفنت كل معالم، وملامح الأنوثة بداخلها، من المشية والشكل، إلى خشونة الصوت واليدين، وطفلتها كبرت معها ومتاعب الحياة ازدادت مع تقدم عمرها، لتكبر الطفلة وتغدو صبية في ريعان شبابها مع امرأة تعتبرها “الرجل الأم، والأب الأخت، والأخ العائلة، والمعيل، والعالم”،  شابة ترى الدنيا بعيني أمها والأمل، والقوة تستمدها من عينيها، الأم التي تركت للناس حياتهم، وجعلت حياتها ابنتها.
 
مسيرة العطاء تكبر
 ٤٣ عاماً والمرأة تعيش كرجل يعمل ويكدح طوال كل هذه السنين إلى إن أمراض التقدم بالعمر، وبوادر الشيخوخة بدت ترهق الجسد لكن القلب قلب شابة في ريعان شبابها، والطموح بتأمين مستقبل ابنتها التي زوجتها، وصارت الحجة صيصة الأم، والجدة لتزداد هذه المرأة قوةً وإصراراً على أداء رسالتها التربوية بحق ابنتها التي نذرت لها حياتها، وتأمل بتأمين سكن يأويها، وأولادها، وبالفعل وصل صوتها من خلال مقابلة إعلامية طالت مسامع المسؤولين في بلدها، وعلى رأسهم رئيس دولتها السيسي الذي قابلها، وقف على طلباتها فثلاثٌ وأربعون عاماً من التضحية آن لها أن تُشكر وتُكرم، وترى النور ليعرف كل العالم ما معنى أن تكون المرأة رجلاً وأباً وأماً، وكل شيء في مجتمع لا زال لا يقبل عمل المرأة بشكل منفتح. آن لها أن تكون وساماً في صدر مصر وشمساً لا تغيب في سمائها حتى لو رحلت هذه الأم الفاضلة من الحياة بسلام، وهي مطمئنة بأنها ستبقى مثالاً للمرأة التي ضحت بحياتها، وحكاية ترويها الأجيال على مر الأزمان، والعصور على إرادة المرأة القوية.
“أمي وطني”
أما عن ابنتها، وأجوبتها للقنوات التلفزيونية، وللإعلام عما تعنيه لها أمها فقد قالت: “أمي وطن.. وطني الآمن الذي أنعم فيه بالسلام”، وأشارت بأنها تقف عاجزة عن رد الجميل الذي لا تعتبره أمها جميلاً بل واجباً بحق روحٍ كانت سبباً في وجودها في هذه الحياة. كما وأكدت بأنها فخورةٌ بأمها، وبمصر التي أنجبت مثلها، وأكدت بأنها مؤمنة بالمرأة، وطاقاتها. دموعها التي كانت تتناثر على خديها اختصرت حكاية حبها لأم  لن تفنى، ولن تبيد.
“العمل كرامة”
هذا وقد ردت الأم “صيصة النمر” بأنها لا تخجل من عملها كماسحة أحذية إن كان هذا العمل يحفظ لها كرامتها وابنتها. ويغنيها عن سؤال الناس سواءً أعطوها أو منعوها. فصدى صوتها أزهر وأينع ربيعاً، وحققت أخيراً تلك المحاربة المكافحة حلمها بشقة لابنتها حيث كانت هذه هدية مصر شعباً، وحكومةً، ومحلٍ صغيرٍ تعيش منه بقية حياتها يغنيها عن مشاق العمل.
قصة من بين آلاف القصص
تُرى لو ترك المجتمع هذه المرأة بشأنها وترك سياسة “سي السيد”. كما قالت هل ستصمم على رأيها، وتكمل حياتها امرأة بقلب رجل أم أنها ستكون امرأة عدلت عن رأيها مع الزمن، وعاشت تجربةً ثانيةً لكن برضاها. لماذا يعارض الناس فكرة المرأة العاملة وهي تكد وتقدم كل ما تملك من أجل الحفاظ على كرامتها وعائلتها؟
ألم يحن الوقت للتخلص من تلك الأفكار الذكورية والذهنية المتخلفة والآخذ بيدها ومساندتها؛ فالأم صيصة قصة من بين آلاف القصص التي لم يسطع ضوئها، فلِمَّ لا تكون المرأة كما الرجل في ميادين الحياة كافة دون خوفٍ أو تميّز؟.
امرأة واجهت الحياة بعزيمة ثابتة وإرادةٍ قويةٍ واجهت مجتمع بأكمله أجبرها على فعل ما فعلت لشدة قسوته، وسطوة ذكوره بابتسامة قبول، ورضا لبست عباءة الرجل لتسلم من الأذى دفنت الأنوثة بداخلها لتولد من جديد في كلّ خطواتها فالمرأة معطاءة كما الأرض حنونةٌ كما ذرات ترابه هنيئاً لابنتها بتلك الأم، وطوبى لكل أمٍ لم ترَ تجربتها مع الحياة النور فداخل كل امرأة حكاية ينسجها الزمن بمرها وحلوها.

التعليقات مغلقة.