قامشلو/ آرين زاغروس ـ الشهيدة ناكهان أكارسال حكاية امرأة جعلت من المعرفة طريقاً لحفظ ذاكرة النساء، ومن البحث والكتابة جسراً يصل بين الماضي والحاضر.
في مكانٍ تفوح منه رائحة الكتب، وتنام بين رفوفه حكايات نساء لم يجدن دائماً من يصغي إليهن، ثمة أثر لامرأة آمنت بأن التاريخ لا يُكتب من جهة واحدة، وأن وراء كل حكاية غائبة صوتاً ينتظر أن يُستعاد. كانت ناكهان أكارسال تبحث عن ذلك الصوت، تجمع شظايا الذاكرة، وتنقّب في تاريخ النساء، كأنها تحاول أن تعيد إلى العالم نصف حكاياته المنسية.
من هي ناكهان؟
لم تكن الكتب بالنسبة إلى ناكهان مجرد أوراق تُقرأ، ولا الأبحاث مجرد كلمات تُنشر؛ كانت وسيلة لفهم العالم من زاوية مختلفة، ومحاولة للإجابة عن أسئلة طالما بقيت معلّقة من يكتب تاريخ النساء؟ ولماذا غابت أصواتهن عن الكثير من الروايات؟ وكيف يمكن للمرأة أن تستعيد معرفتها بذاتها، بعيداً عن الصور التي رسمها الآخرون لها؟
من هذه الأسئلة انطلقت رحلتها، بين الصحافة والبحث والعمل الميداني، حاملةً معها إيماناً بأن المعرفة ليست ترفاً فكرياً، بل طريقاً لفهم الحياة وتغييرها.
وُلدت ناكهان أكارسال في 24 حزيران 1977 في قرية غوليازي (خيليك بالكردية)، التابعة لقضاء جيهان بيلي في ولاية قونية، ونشأت في بيئة ريفية كردية، حيث ارتبطت منذ طفولتها بالأرض والحكايات والعلاقات الاجتماعية التي أحاطت بها وتذكر شهادات عن حياتها أنها كانت شغوفة بالقراءة والتعليم، وأنها اختارت دراسة الصحافة في جامعة غازي بأنقرة، رغم حصولها على معدل يؤهلها لدراسة الطب.
غير أن طريقها لم يكن سهلاً؛ فقد اعتُقلت عام 2001، وقضت سنوات في السجن حتى عام 2007. وبعد خروجها، عادت إلى مسارها الصحفي والأكاديمي، وعملت في وكالة أنباء دجلة، وواصلت دراساتها واهتماماتها بقضايا المرأة كانت سنوات الاعتقال محطة قاسية في حياتها، لكنها لم تكن نهاية رحلتها، إذ واصلت العمل والبحث.
إرث عابر للحدود
في الصحافة، وجدت نافذة تطل منها على قضايا النساء، وفي البحث وجدت مساحة أوسع للغوص في تفاصيل حيواتهن وتجاربهن كما ساهمت في تأسيس وكالة أنباء المرأة، التي جعلت من قضايا النساء محوراً لعملها، وشاركت في إصدار مجلة الجنولوجيا، لتفتح صفحاتها أمام أفكار وأبحاث تتناول المرأة والتاريخ والمجتمع.
لم تكتفِ ناكهان بما تقوله الكتب، بل سعت إلى الاقتراب من النساء اللواتي يحملن التاريخ في ذاكرتهن، وفي تفاصيل حياتهن اليومية، تنقلت في مناطق مختلفة من كردستان، ووصلت إلى عفرين وشنكال، حيث التقت نساءً شكّلت تجاربهن مادة لأبحاثها واهتماماتها، إذ كانت تبحث عن المعرفة في الحكايات الشفوية، وفي الذاكرة الجماعية، وفي تفاصيل لا تلتفت إليها الروايات الكبرى.
في شنكال، حيث تركت هجمات مرتزقة داعش جروحاً عميقة في حياة النساء الإيزيديات، اتجه اهتمامها إلى تاريخهن ومعتقداتهن وتجاربهن، في محاولة لفهم ما تحمله ذاكرتهن من معرفة وهوية، وما تكشفه مأساتهن عن العنف الذي يستهدف النساء والمجتمعات.
لم تكن تلك الرحلة مجرد انتقال بين الأمكنة، بل كانت بحثاً عن جذور الحكاية، وعن صلة النساء بماضيهن، وعن المعرفة التي يمكن أن تولد من تجاربهن، لا من الكتب وحدها.
وفي عام 2019، اتجهت ناكهان إلى السليمانية، حاملةً معها مشروعاً يتجاوز حدود الكتابة والتوثيق أرادت أن تتحول المعرفة إلى مكان، وأن تجد الأبحاث والكتب والوثائق التي تتناول تاريخ النساء بيتاً يحفظها من الضياع هناك، ساهمت في تأسيس أكاديمية الجنولوجيا ومكتبة المرأة الكردية ومركز للأبحاث والأرشيف، في مسعى لبناء ذاكرة معرفية تحفظ نتاج النساء وتتيح للأجيال القادمة العودة إليه.
لم يتوقّف تأثير الشهيدة ناكهان أكارسال عند حدود كردستان. فقد أشارت المتحدثات إلى أنّ كتبها وأبحاثها تُترجم اليوم في بلدان الشرق الأوسط وأوروبا، وأنّ مشروعها في تأسيس “مركز الأرشيف والبحوث ومكتبة المرأة الكردية” أصبح مصدر إلهامٍ لحركاتٍ نسوية تسعى إلى توثيق التاريخ الشفوي والمعرفي للنساء.
ذاكرة المقاومة النسوية
كانت المكتبة، في جوهر فكرتها، أكثر من رفوف تحمل عناوين الكتب؛ كانت محاولة لجمع ما تفرّق من حكايات، وإعادة الاعتبار إلى تجارب لم تحظَ بما يكفي من التوثيق فكل كتاب يوضع على رف، وكل وثيقة تُحفظ، وكل بحث يُنجز، يمكن أن يكون خطوة نحو تاريخ أكثر اتساعاً، لا تُختزل فيه النساء إلى هوامش عابرة.
ولكن الحكاية التي كرّست الشهيدة ناكيهان حياتها للبحث عنها، أصبحت حكايتها هي أيضاً ففي الرابع من تشرين الأول عام 2022، استشهدت ناكهان أكارسال في مدينة السليمانية، إثر هجوم مسلح أمام منزلها. انقطعت رحلتها، لكن الأسئلة التي حملتها لم تنتهِ معها وبعد أشهر من استشهاداها، افتُتحت مكتبة المرأة الكردية ومركز الأبحاث في حزيران 2023، لتبقى المشاريع التي ساهمت في تأسيسها شاهدة على مسارها الفكري. لم تعد ناكهان قادرة على إضافة صفحة جديدة إلى أبحاثها، لكن الصفحات التي تركتها باتت جزءاً من ذاكرة تتجاوز عمر صاحبتها فالمعرفة التي سعت إلى جمعها لم تكن مرتبطة بشخصها وحده، بل بفكرة أن تاريخ النساء لا ينبغي أن يظل رهين النسيان، وأن كل جيل يحتاج إلى أن يعرف كيف عاش من سبقه، وكيف قاوم، وكيف صنع ملامح حاضره.
وربما تكمن قوة حكاية ناكهان في تلك المسافة بين ما أرادت أن تحفظه للنساء وما أصبحت تمثله في ذاكرتهن امرأة أمضت سنوات تبحث عن أصوات غائبة، ثم غاب صوتها، وبقيت محاولتها حاضرة في الكتب والأبحاث والشهادات والمشاريع التي تركتها خلفها.
في مكتبتها، لا تُقاس الحكايات بعدد الصفحات وحده، ولا يُختصر التاريخ في أسماء الشخصيات الكبرى. هناك، تصبح الذاكرة فعلاً يومياً، ويغدو حفظ المعرفة مقاومة للنسيان، وتتحول الكتب إلى جسور بين نساء لم يلتقين، لكنهن يشتركن في كتابة حكاياتهن بأصواتهن
وربما لم تكن ناكهان تبحث عن الخلود حين بدأت رحلتها، بل كانت تبحث عن شيء أكثر بساطة وعمقاً وهو ألّا تضيع حكايات النساء مرة أخرى واليوم، بعد غيابها، تظل تلك الفكرة هي الخيط الذي يصل بين بداياتها الصحفية وأبحاثها ومكتبتها، وبين كل امرأة تفتح كتاباً لتجد فيه أثراً يشبهها، أو صوتاً ظنت طويلاً أنه لم يُسمع.