حين نتحدث عن أحمد شوقي، لا يكفي أن نسأل: هل كان مجدداً أم مقلداً؟ فالسؤال بهذه الصورة يضع شاعراً كبيراً في خانة واحدة، بينما شوقي نفسه كان أكثر تعقيداً من أن يُحصر في وصف واحد. وربما كان السؤال الأدق: أين كان شوقي يقف في المسافة بين الإحياء والتجديد؟ وهل كان التجديد عنده تحولاً عميقاً في جوهر الشعر، أم انتقالاً بالشعر إلى موضوعات وأجناس وأشكال جديدة مع بقاء بنيته الأساسية في إطارها القديم؟
أرى أن أحمد شوقي لم يكن مجدداً بكل ما تعنيه كلمة التجديد، لكنه كان مرحلة انتقالية كبرى في تاريخ الشعر العربي الحديث، وكان تجديده الحقيقي أوضح في الأجناس والموضوعات والمجالات التي أدخل الشعر إليها منه في بنية القصيدة ذاتها. فقد خرج بالشعر من دائرة الأغراض التقليدية الضيقة إلى التاريخ والوطن والحياة الاجتماعية والسياسة وبعض مظاهر العصر، وفتح أمام الشعر العربي باباً لم يكن قد استقر فيه من قبل، هو باب المسرح الشعري. وهذه ليست أموراً هامشية يمكن تجاوزها حين نقوّم تجربته، لأنها تعني أن الشاعر لم يكتفِ باستعادة النموذج القديم، بل حاول أن يضع ذلك النموذج في مواجهة زمن جديد.
غير أن التجديد شيء، واستعمال القديم للوصول إلى الجديد شيء آخر. وشوقي ظل، في قصيدته، شديد الصلة بالبناء الكلاسيكي الذي ورثه شعراء الإحياء. ظل الوزن والقافية واللغة والبلاغة والصياغة المحكمة حاضرة بقوة، وظل الشاعر في كثير من الأحيان يتحرك داخل البيت العربي الموروث أكثر مما يحاول إعادة بناء البيت من الداخل. ولذلك؛ فإن وصفه بالمجدد الكامل يحمّله ما لم يفعله، كما أن وصفه بالمقلد يهدر ما فعله بالفعل.
لقد كان شوقي ابن مرحلة تبحث عن استعادة الشعر العربي لقوته بعد عصور طويلة من الضعف والجمود، ولذلك لم يكن منطقياً أن يبدأ بهدم ما أعاد بناءه. كان لا بد أولاً من استعادة الثقة باللغة، واستعادة جمال الصياغة، وإعادة الشعر إلى مكانته، ثم تأتي محاولات التجاوز. ومن هنا فإن شوقي كان جسراً أكثر منه قطيعة؛ نقل القصيدة العربية من الإحياء إلى أبواب جديدة، لكنه لم يذهب بها إلى التحرر البنيوي الذي سيأتي بعده.
وهنا تظهر أهمية المسرح الشعري في تجربته. هل يمكن اعتبار مسرحيات شوقي تجديداً؟ نعم، إذا كنا نتحدث عن الجنس الأدبي وعن توسيع إمكانات الشعر العربي. فقد دخل شوقي إلى المسرح الشعري دخولاً واسعاً، وكتب «علي بك الكبير» و«قمبيز» و«مصرع كليوباترا» و«مجنون ليلى» و«عنترة» و«الست هدى» و«أميرة الأندلس»، ولم تكن التجربة مجرد محاولة عابرة، بل كانت محاولة لإعطاء الشعر وظيفة جديدة ومجالاً جديداً للحضور. لكن؛ المسرح ليس مجرد حوار موزون بين شخصيات. المسرح يحتاج إلى شخصية تتحرك، وصراع يتصاعد، وحوار يبدو نابعاً من الشخصية لا من الشاعر، واقتصاد في اللغة، وقدرة على ترك الحدث يتكلم بدلاً من أن يتولى الشاعر شرحه.
ومن هنا يمكن القول إن شوقي حمل إلى المسرح الشاعر أكثر مما حمل المسرحي إلى الشعر. وهذه ليست إدانة لتجربته بقدر ما هي تحديد لموضع قوتها وحدودها.
لقد دخل شوقي المسرح وهو يحمل معه قاموس الشاعر وبلاغته وصنعته وإحساسه بالبيت الشعري. ولذلك نجد أن الشعر في مسرحياته يظل أحياناً أكثر حضوراً من المسرح، وأن الصنعة الشعرية قد تصبح في بعض المواضع غلافاً سميكاً يحجب الحركة الدرامية ويجعلنا نشعر بأننا أمام قصيدة طويلة تتكلم على ألسنة الشخصيات، لا أمام شخصيات تكشف نفسها من خلال الحوار والحركة والصراع.
وهنا نصل إلى الصنعة، وهي من أكثر القضايا حساسية في شعر شوقي. لقد كان شوقي شاعراً شديد الصنعة، والصنعة عنده ليست عيباً في ذاتها؛ فقد منحت شعره قوته وبهاءه وإحكامه، وجعلته قادراً على بناء البيت وصقله حتى يستقيم لفظاً ومعنى وموسيقى. لكن؛ الصنعة حين تتقدم على التجربة يمكن أن تتحول من أداة إلى حجاب. فليس كل بيت محكم الصياغة بالضرورة بيتاً حياً، وليس كل براعة لغوية ضرورة شعورية.
وهنا يصبح السؤال النقدي الحقيقي: هل كان البيت عند شوقي ضرورة شعورية، أم كان أحياناً براعة شاعر؟
في بعض شعره تكون الصنعة في خدمة الشعور، فيصبح الإحكام جمالاً، ويصبح الوزن والقافية والبلاغة جزءاً من الحياة الداخلية للنص. وفي بعض المواضع الأخرى يبدو أن الشاعر يستطيع أن يصنع البيت لأنه يستطيع صناعة البيت، فتظهر القدرة قبل الحاجة، والبراعة قبل التجربة. وهذا الفرق مهم جداً، لأن الشعر لا يقاس بما يستطيع الشاعر أن يفعله باللغة فقط، وإنما بما تضطره التجربة إلى أن يفعله باللغة.
ولذلك لا ينبغي أن نحاكم شوقي على أساس أنه لم يكن ثائراً على التراث. ربما كانت قوته في أنه عرف التراث معرفة عميقة واستطاع أن يستعمل أدواته في زمن جديد. لكن؛ لا ينبغي في الوقت نفسه أن نحوله إلى ثائر لم يكنه، أو إلى مجدد شامل لمجرد أنه وسّع موضوعات الشعر وأدخل إليه المسرح.
ومن هنا أعود إلى اللقب الكبير: أمير الشعراء. هل أُلبست شوقي عباءة أوسع من جسمه الأدبي؟
ربما نعم، ولكن العباءة لم تكن بلا سبب. فلقب أمير الشعراء لم يصنعه الفراغ، ولم يكن شوقي شاعراً عادياً ثم جاءت الألقاب لتصنع له مكانته. لقد كان صاحب قدرة لغوية وبيانية وموسيقية استثنائية، وكان حضوره في عصره واسعاً، وكان قادراً على التعامل مع أغراض كثيرة، وعلى مخاطبة جمهور واسع، وعلى إعادة الشعر إلى المجال العام، وعلى تقديم نفسه بوصفه شاعراً قادراً على تمثيل مرحلة بأكملها. ولذلك فإن اللقب، وإن اتسع أحياناً حتى تجاوز حدود الشاعر الفرد، لم يكن بلا أساس. لكن؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول العباءة إلى حكم نقدي نهائي. فـ «أمير الشعراء» لقب تاريخي ورمزي، وليس شهادة نقدية تقول إن صاحبه هو أعلى الشعراء في كل شيء. وقد أصبحت صورة شوقي في الذاكرة الأدبية أوسع من تجربته النصية أحياناً، حتى صار الاسم نفسه يحمل دلالات أكبر من مجموع ما كتب.
وهنا يجب أن نميز بين ثلاثة “شوقيات”، إن صح التعبير
هناك شوقي التاريخي، وهذا كبير جداً؛ لأنه جاء في لحظة انتقال حاسمة، وكان واحداً من أبرز الذين أعادوا للشعر العربي حضوره وثقته واتساع مجاله.
وهناك شوقي الشعري، وهو شاعر كبير بلا شك، صاحب قدرة لغوية وبيانية وموسيقية لا يمكن إنكارها، وصاحب ذاكرة شعرية واسعة وقدرة نادرة على تطويع اللغة في أغراض متعددة.
ثم هناك شوقي المجدد، وهنا ينبغي أن نكون أكثر حذراً. فهو مجدد مهم، ولكنه ليس مجدداً ثورياً. فتح الأبواب أكثر مما هدم الجدران، ووسّع المجال أكثر مما غيّر البنية، ونقل الشعر إلى موضوعات وأجناس جديدة أكثر مما أعاد تعريف الشعر نفسه.
وهذا التفريق في رأيي أكثر عدلاً من أن نضعه إما في خانة المجدد العظيم الذي بدأ الشعر من جديد، أو في خانة المقلد الذي لم يأتِ بشيء. فكلا الحكمين يضيّق شوقي بدلاً من أن يفسره.
شوقي لم يهدم البيت القديم.ز لكنه فتح فيه نوافذ جديدة
وهذه ربما تكون العبارة الأقرب إلى تجربته كلها. لقد بقي البيت القديم قائماً، وبقيت القصيدة في كثير من صورها وفية لروح الإحياء، لكن النوافذ التي فتحها شوقي سمحت للهواء الجديد أن يدخل: التاريخ دخل، والوطن دخل، والمسرح دخل، والحياة الاجتماعية دخلت، وخرج الشعر من بعض دوائر المديح والوصف والتقليد إلى فضاء أكثر اتصالاً بالعصر. لكن؛ فتح النوافذ ليس هو بناء بيت جديد.
وهنا تكمن قيمة المرحلة الانتقالية. فالمرحلة الانتقالية لا تكون أقل أهمية لأنها لم تصل إلى النهاية. أحياناً يكون دور الشاعر أن يجعل التجاوز ممكناً لمن يأتي بعده. وقد كان شوقي من هؤلاء. لم يصل إلى الشعر الحر، ولم يدخل في الثورة التي ستعيد النظر في الوزن والقافية، ولم يحرر القصيدة من سلطتها القديمة، لكنه جعل الشعر قادراً على استقبال موضوعات وأشكال وأسئلة لم تكن مألوفة فيه على الصورة نفسها. ومن هذه الزاوية، لا يصح أن نطالبه بأن يكون شاعراً من زمن لم يأتِ بعده.
إن خطأ بعض القراءات الحديثة أنها تقيس الشاعر بما نعرفه نحن بعده. فتضع أمام شوقي تجربة الشعر الحديث، ثم تسأله لماذا لم يكن حديثاً كما أصبح الشعر بعده. وهذا ليس حكماً على الشاعر، بل هو أحياناً ظلم للزمن الذي عاش فيه. لكن؛ الخطأ المقابل هو أن نجعل زمنه عذراً لكل شيء، فنرفع عنه كل مساءلة نقدية. فالشاعر الكبير لا يصبح أكبر من النقد بسبب مكانته، بل يصبح أكثر حاجة إلى التقييم الشامل لأن أثره كبير. والتقييم الشامل لشوقي لا يحتاج إلى أن يهدم صورته لكي ينصفه، ولا إلى أن يحافظ على صورته لكي يكرمه. يكفي أن نضع كل شيء في موضعه. هو ليس مجرد وريث للقديم؛ لأن الوريث لا يضيف دائماً مجالاً جديداً إلى الميراث. وهو ليس ثائراً على القديم، لأن الثورة لها شروط لم تتحقق عنده في بنية الشعر. وهو ليس مسرحياً خالصاً، لأن الشاعر في مسرحه كان في أحيان كثيرة أقوى حضوراً من المسرحي. وهو ليس مجرد صانع أبيات، لأن في شعره لحظات تتجاوز الصنعة إلى الشعر الحقيقي. وهو ليس أمير الشعراء لأن اللقب قال ذلك وحده، بل لأن عصره منحه مكانة حقيقية، ثم جاءت الذاكرة الأدبية فوسعت العباءة حتى غطت جوانب أخرى من تجربته.
لذلك أرى أن العبارة الأعدل ليست: «شوقي أكبر من شعره»، ولا «شوقي أصغر من لقبه»، وإنما: شوقي شاعر كبير حملته مرحلة أكبر من شاعر، فصار اسمه عنواناً لمرحلة بأكملها.
وهذا يفسر لماذا تبدو صورته أحياناً أوسع من جسده الأدبي. لقد احتاج عصره إلى رمز، فكان شوقي أحد أبرز رموزه. وحين احتاج تاريخ الأدب إلى اسم يضعه بين الإحياء والحداثة، وجد في شوقي الاسم المناسب لهذه المسافة. ولذلك أصبح شوقي لا يمثل نفسه وحده، بل يمثل لحظة انتقال كاملة.
ومن هنا فإن قيمة شوقي الحقيقية، في رأيي، ليست في أن نسأله: هل كان آخر القدماء أم أول المحدثين؟ ربما كان شيئاً بين الاثنين. كان آخر الكبار الذين استطاعوا أن يمنحوا القصيدة القديمة حياة جديدة، وأحد الذين مهدوا الطريق لمن سيبحث عن قصيدة أخرى. وهذا هو سر أهميته.
فهو لم يفتح الباب لأنه خرج منه، بل لأنه جعله قابلاً للفتح. ولم يقتل القديم، بل جعله يصل إلى لحظة لم يعد يستطيع فيها أن يعيش وحده. ولم يصنع الثورة. لكنه؛ كان واحداً من الذين جعلوا الثورة ممكنة. أما مسرحه، فليس من العدل أن نضعه في مرتبة المسرح الحديث كما نعرفه، ولا من العدل أن نسقط عنه صفة التجديد. يكفي أنه أدرك أن الشعر يستطيع أن يغادر الصفحة إلى الخشبة، وأن الشاعر يستطيع أن يكتب التاريخ في صورة مشهد، وأن اللغة الشعرية يمكن أن تدخل عالم الشخصيات والحوار والصراع. وإذا كانت الصنعة قد غلفت بعض ذلك بغلاف سميك، فإن وجود الغلاف لا يلغي وجود المحاولة.
وفي النهاية، ربما يكون شوقي أكبر حين ننزله من عرش الأسطورة قليلاً، لا حين نهدم عرشه. فعندما نقرأه شاعراً لا أميراً، ونقرأ مسرحه تجربة لا معجزة، ونقرأ صناعته قدرة لا بديلاً عن الشعور، ونضعه في زمنه لا في زمن من جاء بعده، يصبح أكثر إنسانية، وأكثر وضوحاً، وأكثر قابلية للقراءة. وعندها لا نحتاج إلى أن نرفع شوقي فوق قامته، ولا إلى أن ننزله تحتها. يكفينا أن نقف أمامه ونقول: لم يكن شوقي نهاية الشعر القديم، ولم يكن بداية الشعر الجديد. كان الجسر. والجسر لا يُقاس بما إذا كان بيتاً جميلاً، بل بما إذا كان قد استطاع أن يعبر بالناس من ضفة إلى ضفة. وهنا ربما تكون عباءة «أمير الشعراء» أوسع من جسد شوقي الأدبي، لكنها لم تكن أكبر من أثر شوقي التاريخي.