لم يعد الجدل حول اللغة الكردية في سوريا مجرد نقاش حول عدد الحصص الدراسية أو طبيعة المناهج بل بات اختباراً مبكراً لقدرة الحكومة الانتقالية السوريّة الجديدة على إدارة التنوع وبناء علاقة مختلفة مع شعوبها، فالاحتجاجات المطالبة بتوسيع التعليم باللغة الكردية، وعدم الاكتفاء بثلاث حصص أسبوعياً، تكشف إن القضية تتجاوز الاعتراف باللغة كمادةٍ دراسية إلى السؤال عن مكانتها داخل الدولة ومؤسساتها.
وقد مثَّل المرسوم رقم 13 خطوةً في اتجاه الاعتراف بالكردية لغة وطنية والسماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية، لكنه لم يحسم الجدل حول موقعها الدستوري أو حق التعليم بها بصورةٍ أوسع. لذلك؛ تتجه المطالب الكردية نحو ضمانات دستوريّة واضحة، باعتبار أن الحقوق التي تحظى بحماية الدستور أكثر استقراراً من تلك التي تستند إلى قرارات أو مراسيم قابلة للتعديل.
وهنا تتجاوز أهمية إدراج اللغة الكردية في الدستور البُعد اللغوي إلى بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، فبعد عقود من التهميش، يمكن للاعتراف الدستوري أن يبعث رسالة واضحة بأن الدولة الجديدة لا تقوم على فرض هوية واحدة، وإنما على استيعاب التنوع داخل إطار المواطنة المشتركة. لكن؛ الاعتراف الدستوري لا يكفي وحده، فالاندماج الوطني لا يتحقق بالنصوص وإنما بتحويل الحقوق إلى سياسات ومؤسسات، فإذا كان للطالب الكردي حق التعليم بلغته فينبغي أن يرافق ذلك مناهج معتمدة ومعلمون مؤهلون وشهادات معترف بها ومسارات واضحة إلى التعليم الجامعي وسوق العمل، وتكشف تجربة السنوات الماضية أن غياب الاعتراف الرسمي ببعض المؤسسات والشهادات التعليمية في مناطق الإدارة الذاتية ظلَّ يمثّل تحدياً للطلاب وأسرهم. ومن ثم، فإن المطلوب ليس إنشاء منظومتين تعليميتين متوازيتين، وإنما بناء منظومة وطنية واحدة تستوعب التعدد اللغوي، فالتعليم بالكردية لا ينبغي أن يعني العزلة عن النظام التعليمي السوري، كما أن الحفاظ على العربية كلغة للمجال الوطني العام لا ينبغي أن يعني إقصاء اللغات المحلية.
وتقدم التجارب الدولية نماذجاً مختلفةً لتنظيم التعدد اللغوي من سويسرا وبلجيكا إلى إسبانيا وكندا والعراق، بما يؤكد أن الاعتراف بالتنوع لا يتعارض بالضرورة مع وحدة الدولة متى جرى تنظيمه ضمن إطار دستوري ومؤسساتي واضح.
وفي الحالة السوريّة، تكتسب هذه المعادلة أهميةً أكبر؛ لأن الاندماج الوطني لا ينبغي أن يعني إذابة الهويات المتعددة في هويةٍ واحدة، وإنما ضمان مشاركة أصحاب هذه الهويات في الدولة على قدم المساواة، فالمواطن الكردي لا ينبغي أن يكون مضطراً إلى الاختيار بين هويته الثقافية وانتمائه السوري؛ بل يفترض أن تكون المواطنة السورية الإطار الذي يستوعب هذه الخصوصية ويحميها.
كما إن نجاح هذه السياسة يتطلب تطوير اللغة الكردية نفسها على المستوى الأكاديمي، في ظل ما تشير إليه المادة من غياب مرجعية لغوية موحدة وتعدد اللهجات وأنظمة الكتابة والمناهج، ولعل ذلك ما يجعل الاعتراف الدستوري بداية لمسارٍ مؤسسي يحتاج إلى تطوير المناهج والمصطلحات وإعداد الكوادر الأكاديمية، وليس نهاية لهذا المسار.
الغاية إذن إن قضية اللغة الكردية تقدّم لسوريا الجديدة فرصةً لإعادة تعريف مفهوم الوحدة الوطنية، فالوحدة لا تعني بالضرورة التجانس، والاندماج لا يعني التخلي عن الخصوصية، فالاعتراف الدستوري يضع أساس الحقوق، والسياسات العامة تحوّلها إلى ممارسة، والمؤسسات تمنحها الاستمرارية، والمساواة في الفرص تبني الثقة.
ولهذا، فإن إدراج اللغة الكردية في الدستور، إذا اقترن بسياسات فعالة للاندماج الوطني، يمكن أن يتجاوز كونه استجابة لمطلب ثقافي أو قومي، ليصبح جزءاً من بناء عقد اجتماعي جديد؛ عقد لا يطلب من السوريين التخلي عن تنوعهم لكي ينتموا إلى الدولة، وإنما يجعل من هذا التنوع أحد مكونات هويتهم الوطنية المشتركة. وهنا تحديداً تكمن دلالة اللغة الكردية في سوريا الجديدة فهي ليست فقط قضية لغة وإنما اختبار لقدرة الدولة على تحويل التعدد من مصدرٍ للتوتر إلى أساس للمواطنة والاندماج الوطني.