No Result
View All Result
كرديار دريعي
لم يكن استفتاء 25 أيلول 2017 بحاجةٍ إلى إثبات إن الكرد يريدون الاستقلال، فهذه الرغبة راسخة في الوعي السياسي الكردي، وإذا سألت أصغر طفل كردي فسوف يقول أنا مع أي شكل من أشكال الاستقلال عن الدول المتقاسمة لكردستان.
لذلك كانت نتيجة التصويت المرتفعة متوقعة ومحسومة إلى حدٍ كبير، والواضح إن قيمة الاستفتاء لم تكن في اكتشاف موقف الشارع الكردي، بل في إمكانية تحويل هذا الموقف إلى تفويضٍ سياسي يمكن استخدامه في التفاوض حول مستقبل إقليم كردستان وعلاقته ببغداد. لكن المشكلة في الاستفتاء كانت في المسافة الشاسعة بين الحصول على التفويض الشعبي وبين القدرة على توظيفه سياسياً، فقبل المضي إلى اتخاذ القرارات المصيرية كان لا بد من تمتين البيت الداخلي أولاً والقراءة الموضوعية للظروف الدولية والإقليمية وتوجه القوى الكبرى تجاه القضية الكردية، حيث إن إقليم كردستان دخل الاستفتاء في ظلِّ خلافات داخلية لم تكن قد حُسمت بعد، فمسألة رئاسة الإقليم كانت موضع خلاف شديد بين القوى الكردية، والمؤسسات التشريعية كانت معطلة والتوترات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني كانت قوية، إلى جانب خلافات مع قوى سياسية أخرى.
في مثل هذه الظروف، كان من الطبيعي أن يطرح القرار تساؤلاً حول الأولويات: هل كان ينبغي الذهاب مباشرة إلى الاستفتاء، أم كان من الأجدى أولاً بناء توافق كردي أوسع حول إدارة المرحلة المقبلة؟ هذه المسألة كانت مهمة لأن مشروع الاستقلال، بحكم طبيعته، يحتاج إلى غطاءٍ سياسي يتجاوز الحزب والقيادة، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة مرحلة ما بعد التصويت. بالإضافة إلى إن توقيت الاستفتاء جاء مترافقاً مع الأزمة السياسية الداخلية في إقليم كردستان، إلى جانب أن الاستفتاء كان يحمل أيضاً أبعاداً تتعلق بموقع القيادة السياسية، فكيف كانت حسابات القيادة ومستشاريها؟ هل كانت القيادة الكردية قد بالغت في تقدير قدرتها على إدارة تداعيات القرار أم بالغت في إمكانية حصولها على الدعم الأمريكي والإسرائيلي والخليجي وتقبّل تركيا لها؟ ربما اعتقدت القيادة الكردية ومستشاريها إن المكانة التي اكتسبها إقليم كردستان خلال المقاومة ضد داعش، والعلاقات القوية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، والعلاقة الاقتصادية والسياسية مع تركيا، ستعزز موقفها وإن الإقليم يمتلك هامشاً واسعاً للمناورة. لكن؛ تطورات ما بعد الاستفتاء أظهرت أن هذه العلاقات لم تكن تعني استعداد الأطراف الدولية والإقليمية لدعم مشروع الاستقلال، فرئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وبعض مستشاريه أخطأوا في تقدير حجم ردود الفعل الإقليمية والدولية، وفي تقدير قدرة إقليم كردستان على تحمّل الضغوط الناتجة عن الاستفتاء، فهل كانت دائرة القرار تقدم تقييماً متوازناً للمخاطر، أم أن الحماس السياسي والقومي جعل بعض الأصوات التحذيرية أقل تأثيراً؟ هذا السؤال مهم لأن القرارات الاستراتيجية لا تُقاس فقط بحُسن النية، وإنما بجودة تقدير المخاطر، ويبدو أن أحد عناصر الحساب كان الاعتقاد بأن المصالح المشتركة ستحد من قدرة القوى الإقليمية على مواجهة إقليم كردستان.
لكن العلاقة مع الولايات المتحدة كانت مرتبطة أساساً بالمقاومة ضد داعش، ولم تتحول إلى التزامٍ أمريكي بمشروع الاستقلال. كما إن العلاقات الاقتصادية الواسعة مع تركيا لم تمنع أنقرة من رفض الاستفتاء واتخاذ موقف حازم تجاهه، فالتحالف في مواجهة داعش لم يكن تحالفاً حول استقلال كردستان، والعلاقات الاقتصادية مع تركيا لم تكن ضمانة لتقبل أنقرة قيام دولة كردية مستقلة، فتركيا التي أعلنت مراراً إنها لن تسمح بإقامة كيان كردي في سوريا شبيه بباشور كيف لها أن تتقبل استقلال الإقليم؟ وكان ملف كركوك أكثر القضايا التي كشفت محدودية الحسابات السابقة، فإدراج كركوك والمناطق المتنازع عليها في الاستفتاء جاء في ظل وضع سياسي وأمني شديد الحساسية وكانت السيطرة الكردية على هذه المناطق قد توسعت خلال الحرب على داعش، لكن وضعها النهائي بقي موضع خلاف مع بغداد وبعد الاستفتاء استعادت القوات الاتحادية العراقية السيطرة على كركوك ومناطق أخرى، وتزامن ذلك مع ظهور الخلافات بين القوى الكردية بصورةٍ أكثر وضوحاً وهنا لم تعد القضية مرتبطة فقط برد فعل بغداد، بل بقدرة القوى الكردية نفسها في الحفاظ على موقف موحد عندما انتقلت الأزمة من المجال السياسي إلى المجال الميداني، فسرعان ما بدأت ماكينة الحزبين والقوى الأخرى في إطلاق اتهامات الخيانة والمؤامرة في سعي لتحميل فشل الاستفتاء لبعضهم البعض.
وكانت النتيجة تراجعاً في موقع إقليم كردستان، وفقدان السيطرة على مناطق ذات أهمية سياسية واقتصادية، وتراجع القدرة التفاوضية مع بغداد. فهل كان يمكن تجنب هذه النتيجة؟ نعم كان بالإمكان تقليل المخاطر لو اتبعت القيادة الكردية مساراً مختلفاً: تسوية الخلافات الداخلية أولاً، وإعادة تفعيل المؤسسات، وبناء تفاهم سياسي كردي واسع، ثم استخدام الاستفتاء كورقة تفاوضية ضمن استراتيجية تدريجية وكان يمكن في الوقت نفسه إجراء حوار أوسع مع بغداد، والعمل على ضمانات دولية، وفتح قنوات أكثر فاعلية مع تركيا وإيران، بدلاً من الانتقال سريعاً من التفويض الشعبي إلى مواجهة مفتوحة. لا يعني ذلك أن مثل هذه الاستراتيجية كانت ستضمن تحقيق الاستقلال، فالاستقلال ليس مرتبطاً فقط بالتفويض الشعبي بقدر ارتباطه بالسياسات الدولية ومشاريعها ورؤيتها لمستقبل الشرق الأوسط؛ فلا توجد ضمانات لذلك. لكنها؛ كانت قد تمنح إقليم كردستان مساحة أكبر لإدارة المخاطر والحفاظ على مكاسبه. فما الذي كشفته تجربة 25 أيلول؟ لقد كشفت عن إن الإرادة الشعبية وحدها لا تكفي لتغيير موازين القوى، والأهم أن تداعياته أظهرت أن بعض المنجزات التي تحققت خلال السنوات السابقة لم تكن محمية بما يكفي من الانقسامات الداخلية والضغوط الإقليمية، وهنا تحديداً تكمن المسؤولية السياسية للقيادة، ليس في طرح قضية الاستقلال، بل في اختيار التوقيت، وتقدير المخاطر، وبناء التحالفات، وضمان وحدة القرار قبل الدخول في مواجهة بهذا الحجم.
وفي الختام لم يكن استفتاء 25 أيلول خطأً لأن الكرد قالوا «نعم»، ولم يكن فشله السياسي دليلاً على أن مشروع الاستقلال يفتقر إلى التأييد الشعبي. إنما المشكلة كانت في الفجوة بين حجم الطموح وحجم الاستعداد السياسي لإدارته، فالقيادة الكردية امتلكت تفويضاً شعبياً قوياً، لكنها لم تمتلك في المقابل ما يكفي من التوافق الداخلي والضمانات الإقليمية والدولية لتحويل هذا التفويض إلى مكسب سياسي مستدام. ومن ثم، فإن النقد الأكثر إنصافاً لتجربة البارزاني لا يقوم على القول إنه أخطأ بمجرد طرح الاستقلال، وإنما على أن إدارة الاستفتاء لم تضع حماية المنجزات الكردية وتماسك البيت الكردي في مقدمة الحسابات قبل الانتقال إلى المواجهة، لقد بقي «نعم» الاستفتاء تعبيراً واضحاً عن إرادة شعبية. لكن؛ ما حدث بعدها أكد أن الشرعية الشعبية تحتاج إلى استراتيجية تحميها، وإلا يمكن أن تتحول لحظة الإجماع إلى أزمةٍ سياسية بدلاً من أن تكون خطوةً نحو تحقيق الهدف.
No Result
View All Result