لطالما ارتبطت صورة الفيلسوف في المخيال التقليدي بالاعتكاف الطويل في غرف مغلقة، حيث يجلس المفكر محاطا بأكوام من الكتب، مستنزفا طاقته الذهنية تحت أضواء خافتة.
أفرزت هذه الحالة المكتبية نمطا من المعرفة الثقيلة، يعتمد على تراكم الاقتباسات والمراجع أكثر من اعتماده على حيوية التجربة المباشرة.
في هذا السياق، برزت الحاجة إلى قطيعة منهجية تعيد للفكر نبضه العضوي وتخرجه من جمود الجدران إلى انفتاح الفضاء الخارجي.
ينقل فريدريك نيتشه الفلسفة من فوق الكراسي إلى حركة الأقدام، فيما يمثل استجابة لهذا الإشكال النظري. لم يكن هذا التحول ترفا فكريا بالنسبة له، إذ عانى نيتشه من سلسلة من الأزمات الصحية القاسية، تمثلت في نوبات صداع نصفي مبرحة، وتقيؤ مستمر، وشبه عمى أفقده القدرة على القراءة والكتابة لفترات طويلة. وأمام هذا الجسد المنهك، تحول المشي إلى المنفذ الأساسي للنجاة، وتحول فعل السير في الهواء الطلق إلى منهجية فلسفية متكاملة، يرى نيتشه من خلالها أن الجلوس هو “الخطيئة الحقيقية في حق الروح”.
يؤسس نيتشه لمفهوم “القراءة بالقدمين”، ويوجه نقدا لما يسميه “رائحة الكتب” التي تُكتب في الغرف المغلقة وتفتقر للتهوية.
يعتقد أن الأفكار التي تولد أثناء الجلوس تحمل في طياتها عفونة الورق البطيء التحلل، بينما تتنفس الأفكار العظيمة هواء المرتفعات النقي. تتطلب الفلسفة، وفق هذه الرؤية، استجابة فيزيولوجية كاملة يشارك فيها الجسد بأكمله في إنتاج الفكرة؛ فالعضلات تتحرك، والدم يتدفق، والتنفس يتناغم مع الإيقاع، ما يجعل الأفكار المنبثقة من المشي حيوية ومندفعة. ويكشف السياق الذي أنتج فيه نيتشه أعقد مفاهيمه الفلسفية عن هذا التحول بوضوح. ففي صيف عام 1881، وخلال نزهة مشي طويلة بجانب بحيرة سيلفابلانا في جبال الألب السويسرية، حيث المناظر الطبيعية القاسية والهواء البارد، داهمته فكرة “العود الأبدي”. لم تكن هذه الفكرة وليدة استنتاج منطقي رياضي، بل ومضة انبثقت من إيقاع الخطوات المتكررة والتماهي الجسدي التام مع البيئة المحيطة. ويرى نيتشه أن المعرفة الحقيقية تتطلب هواء شفافا وحركة مستمرة، وأن الأفكار المكتوبة في مستوى النسخ المدرسي تبقى سطحية وثقيلة.
يجد هذا المفهوم صدى في واقعنا المعاصر، حيث يمكن ملاحظة أثر الحركة على الإنتاجية والإبداع. فالتجارب الحديثة التي تدعو إلى عقد الاجتماعات سيرا على الأقدام، أو ظاهرة لجوء الكتاب والموسيقيين إلى المشي لفك العقد الإبداعية، تبدو امتدادا لفلسفة نيتشه. إذ يعمل إيقاع الخطوات المنتظم كمقاطع موسيقية تضبط تدفق الوعي، وتطرد التشويش الذهني، وتسمح بتنظيم الأفكار المبعثرة وفق نسق عضوي طبيعي.
وبهذا، يعيد نيتشه تعريف الفيلسوف بوصفه كائنا حركيا، تتجسد حكمته في قدرته على تسلق الجبال واجتياز المسافات الشاقة. تتحول الفلسفة هنا من نشاط ذهني معزول إلى اشتباك جسدي مباشر مع العالم، حيث الفكر القوي هو ذلك الذي يمتلك طاقة الرقص والقفز، وينبثق من جسد يتحرك بحرية في الفضاء المفتوح.
____
مصادر:
ـ فريدريك نيتشه، العلم المرح، علي مصباح، منشورات الجمل.
ـفريديريك غرو، المشي فلسفة، سعيد بوكرامي، دار معنى للنشر والتوزيع، 2021.
ـ جان جاك روسو، أحلام يقظة الجوال المنفرد، سعيد بوخليط، دار الحوار، 2014.
وكالات